ومن لطف الله تعالى بعبده: أن يجعل ما يبتليه به من المعاصي سببًا لرحمته، فيفتح له عند وقوع ذلك بابَ التوبة والتضرع، والابتهال إلى ربه، وازدراء نفسه واحتقارها، وزوال العُجب والكبر من قلبه ما هو خيرٌ له من كثيرٍ من الطاعات.
ومن لطفه بعبده الحبيب عنده: إذا مالت نفسُه مع شهوات النفس الضارة، واسترسلت في ذلك؛ أن يُنَغِّصها عليه ويكدرها، فلا يكاد يتناول منها شيئًا إلا مقرونًا بالمكدرات، محشوًا بالغصص؛ لئلا يميل معها كل المَيل، كما أن مِن لطفه به أن يُلذِّذ له التقربات، ويحلي له الطاعات؛ ليميل إليها كل المَيل.
ومن لطيف لطف الله بعبده: أن يأجُرَه على أعمالٍ لم يعملها بل عزم عليها، فيعزم على قُربةٍ من القُرَب ثم تنحل عزيمته لسبب من الأسباب فلا يفعلها، فيحصل له أجرها، فانظر كيف لطف الله به! فأوقعها في قلبه، وأدارها في ضميره، وقد علم تعالى أنه لا يفعلها؛ سَوقًا لبِره لعبده وإحسانه بكل طريق. وألطف من ذلك: أن يقيض لعبده طاعةً أخرى غير التي عزم عليها، هي أنفع له منها؛ فيدع العبدُ الطاعةَ التي تُرضي ربَّه لطاعة أخرى هي أرضى لله منها، فتحصل له المفعولة بالفعل والمعزوم عليها بالنية، وإذا كان من يهاجر إلى الله ورسوله، ثم يُدركه الموتُ قبل حصول مقصوده قد وقع أجره على الله - مع أن قطع الموت بغير اختياره - فكيف بمن قَطَعت عليه نيتَه الفاضلة طاعةٌ قد عزم على فعلها؟! وربما أدار اللهُ في ضمير عبده عِدَّة طاعات، كل طاعة لو انفردت لفعلها العبد؛ لكمال رغبته، ولا يمكن فعلُ شيءٍ منها إلا بتفويت الأخرى، فيوَفِّقه للموازنة بينها، وإيثار أفضلها فعلًا مع رجاء حصولها جميعها عزمًا ونية.
وألطف من هذا: أن يُقدِّر تعالى لعبده ويبتليه بوجود أسباب المعصية، ويُوفِّر له دواعيها، وهو تعالى يعلم أنه لا يفعلها؛ ليكون تركه لتلك المعصية التي توفَّرت أسبابُ فعلها مِن أكبر الطاعات، كما لطف بيوسف عليه السلام في مراودة المرأة، وأحدُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ.
ومن لطف الله بعبده: أن يُقدِّر خيرًا وإحسانًا مِن عبده، ويُجرِيَه على يد عبده الآخر، ويجعله طريقًا إلى وصوله للمستحق، فيثيب اللهُ الأولَ والآخِرَ.