الخشوع، خصوصًا في أم العبادات، والجامعة بين أنواع التعبدات القلبية والبدنية وأقوال اللسان وهي: الصلاة؛ فإنه يقوم فيها مراعيًا للمراقبة، ومرتبة الإحسان أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يره فإنه يراه، فيُجهد نفسَه على التحقيق بهذه العبودية الكاملة، فيُحضر قلبَه فيناجي ربه بقلبه قبل لسانه، ويستحضر ما يقوله ويفعله؛ فتسكن حركاته ويقل عبثه، ولهذا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي وهو يعبث في لحيته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» [1] وبهذا يُعرف أن من أعظم علامات الخشوعِ سكونُ الجوارح، والتأدب في الخدمة الذي هو أثر سكون القلب، ولهذا وصف الله عباده الذين أضافهم إلى رحمته في قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] المراد: خاضعين متواضعين، ومن أمارات هذا الخشوع أن يطمئن القلب بذكر الله، ويخشع ويخضع للحق الذي أنزله الله؛ فيعتقد ما دل عليه من الحق، ويرغب فيما دعا إليه من الخير، ويرهب عما حذر منه من الشر، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] ، وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 22، 23] فالقلب القاسي لا تؤثر فيه الآيات شيئًا، ولا يزداد مع التذكير إلا تماديًا في غيّه وطغيانه وضلاله، والقلب الخاشع - لما كان حسن القصد متواطئًا على الحق طالبًا له مستعدًا لقبوله - لما وصل إليه الحق عرفه، وعرف
(1) أخرجه ابن أبي شيبة ح (6787) وصالح ابن الإمام أحمد (2/ 178) ، من حديث ابن المسيب موقوفًا عليه من قوله، وفي إسناد ابن أبي شيبة رجل لم يُسمّ.
وأما الوجه المرفوع، فقد رواه الحكيم الترمذي في"النوادر"من طريق سليمان بن عمرو النخعي، وهو كذاب، لذا فهو موضوع، وفي وصفه بأنه ضعيف فقط - كما في"المغني"للعراقي: (ص 178) - تساهل.