فهرس الكتاب

الصفحة 765 من 796

(موعظة)

يَا من قد أرْخى لَهُ فِي الطول وأمهل لَهُ بِمد الْأَجَل اخل بِنَفْسِك وعاتبها وَخذ على يَدهَا وحاسبها لَعَلَّهَا تَأْخُذ عدتهَا قبل أن تستوفي مدَّتهَا

(وجدت أيامي لي رواحلا ... وآن أَن ينحط عَنْهَا الراحل)

(وصيح بِي عرس فقد طَال المدى ... وكل ركب فِي التُّرَاب نَازل)

(تهدد الْحِين فَهَل من سامع ... وَجَاء بالنصح فَأَيْنَ الْقَابِل)

(وكل شَيْء زاجر مُحدث ... يفهم مَا قَالَ الحصيف الْعَاقِل)

إخواني بَادرُوا قبل الْعَوَائِق واستدركوا فَمَا كل طَالب لَاحق واشكروا نعْمَة من ستركم عَن الذُّنُوب واعرفوا فَضله فقد أَعْطَاكُم كل مَطْلُوب مَا أَعم وجوده لجَمِيع خلقه وَمَا أكثر تقصيرهم فِي حَقه

عَم إحسانه الْآدَمِيّ والبهائم والمستيقظ والنائم وَالْجَاهِل والعالم والمتقي والظالم من تَأمل حسن لطفه لخليقته حيره الدهش خلق الْجَنِين فِي بطن الْأُم فَجعل وَجهه إِلَى ظهرهَا لِئَلَّا يجْرِي الطَّعَام عَلَيْهِ وَجعل أَنفه بَين رُكْبَتَيْهِ ليتنفس فِي فرَاغ وسيق قوته فِي مصران السُّرَّة وَلَيْسَ الْعجب تغذيه لِأَنَّهُ مُتَّصِل بحي إِنَّمَا الْعجب خلق الفرخ فِي الْبَيْضَة الْمُنْفَصِلَة فَإِنَّهُ من الْبيَاض يخلق وَمن المح يتغذى فقد هيأ لَهُ زَاد الطَّرِيق قبل سير الإيجاد إِذا تفقأت بَيْضَة الْغُرَاب خرج الفرخ أَبيض فتنفر عَنهُ الْأُم لمباينته إِيَّاهَا فَيبقى مَفْتُوح الْفَم لطلب الرزق فيسوق الْقدر إِلَى فِيهِ الذُّبَاب فَلَا يزَال يغتذي بِهِ حَتَّى يسود فتعود أمه إِلَيْهِ خلق الطير ذَا جؤجؤ مخدد لتجري سفينة طيرانه فِي بَحر الْهوى وَجعل فِي جنَاحه

وذنبه ريشات طوال لينهض للطيران وَلما كَانَ يختلس قوته خوفًا من اصطياده جعل منقاره صلبا لِئَلَّا ينسحج وَلم يخلق لَهُ أَسْنَان لِأَن زمَان الإنتهاب لَا يحْتَمل المضغ وَجعلت لَهُ حوصلة كالمخلاة فينقل إِلَيْهَا مَا يستلب ثمَّ يَنْقُلهُ إِلَى القانصة فِي زمَان الْأَمْن فَإِن كَانَت لَهُ فراخ أسهمهم قبل النَّقْل كلما طَالَتْ سَاق الْحَيَوَان طَال عُنُقه ليمكنه تنَاول طعمه من الأَرْض هَذَا طَائِر المَاء لَا يقف إِلَّا فِي ضحضاح فيتأمل مَا يدب فِي المَاء فَإِذا رأى مَا يُرِيد خطا خطوَات على مهل فَيتَنَاوَل وَلَو كَانَ قصير القوائم كَانَ حِين يخطو يضْرب المَاء ببطنه فيهرب الصَّيْد هَذِه العنكبوت تبني بَيتهَا بصناعة يعجز عَنْهَا المهندس إِنَّهَا تطلب زَاوِيَة فَجعلت فِيهَا خيطا ووصلت بَين طرفيها بخيط آخر وتلقي اللعاب على الْجَانِبَيْنِ فَإِذا احكمت المعاقد ورتبت الْقسْط كالسدى أخذت فِي اللحمة فيظن الظَّان أَن نسجها عَبث كلا إِنَّهَا تصنع شبكة لتصيد قوتها من الذُّبَاب والبق فَإِذا أتمت النسج إنزوت إِلَى زَاوِيَة ترصد رصد الصَّائِد فَإِذا وَقع صيد قَامَت تجني ثمار كسبها فتغتذي بِهِ فَإِذا أعجزها الصَّيْد طلبت زَاوِيَة ووصلت بَين طرفيها بخيط ثمَّ علقت بِنَفسِهَا بخيط آخر وتنكست فِي الْهَوَاء تنْتَظر ذُبَابَة تمر بهَا فَإِذا دنت مِنْهَا دبت إِلَيْهَا واستعانت على قَتلهَا بلف الْخَيط على رجلهَا أفتراها علمت هَذِه الصَّنْعَة بِنَفسِهَا أَو قرأتها على بعض جِنْسهَا أَفلا ينظر إِلَى حِكْمَة من علمهَا وتثقيف من ألهمها

فَإِن لم يكن لَك نظر يُعْجِبك مِنْهَا فيعجب من عدم تعجبك فَإِن أعجب أَفعَال الْقدر {وأضله الله على علم} الْقلب جَوْهَر فِي مَعْدن الْبدن فاكشف عَنهُ بمعول المجاهدة وَلَا تطينه بِتُرَاب الْغَفْلَة رميت صَخْرَة الْهوى على ينبوع الفطنة فاحتبس المَاء إنقب تحتهَا إِن لم تطق رَفعهَا لَعَلَّ الجرف ينهار

(فِي قربنا نيل المنى ... فتنبهوا يَا غافلينا)

(عجبا لقوم أَعرضُوا ... عَنَّا وَقوم واصلونا)

(نقضوا العهود وبارزونا ... بالصدود كاشفونا)

(واستعذبوا طعم القطيعة ... والجفا حَتَّى نسونا)

(يَا ويحهم لَو قد دروا ... مَا فاتهم لاستعطفونا)

إلهي مَا أَكثر المعرض عَنْك والمعترض عَلَيْك وَمَا أقل المتعرضين لَك يَا روح الْقُلُوب أَيْن طلابك يَا نور السَّمَاوَات أَيْن أحبابك يَا رب الأرباب أَيْن عِبَادك يَا مسبب الْأَسْبَاب أَيْن قصادك من الَّذِي عاملك بلبه فَلم يربح من الَّذِي جائك بكربه فَلم يفرح أَي صدر صدر عَن بابك وَلم يشْرَح من ذَا الَّذِي لَاذَ بحبلك فاشتهى أَن يبرح يَا معرضًا عَنهُ إِلَى من أَعرَضت يَا مَشْغُولًا بِغَيْرِهِ بِمن تعوضت

(مت على من غبت عَنهُ أسفا ... لست عَنهُ بمصيب خلفا)

(لن ترى قُرَّة عين أبدا ... أَو ترى نحوهم منصرفا)

بِعْت قيام اللَّيْل بِفضل لقْمَة شربت كأس النعاس ففاتك الرّفْقَة ضرب على أُذُنك لَا فِي مرافقة أهل الْكَهْف تناولت خمر الرقاد فَوَقع بك صَاحب الشرطة فَعمل فِي حَقك بِمُقْتَضى قُم وانم فَجعل حدك الْحَبْس عَن لحاق المتهجدين وَالله لَو بِعْت لَحْظَة من خلْوَة بِنَا بعمر نوح فِي ملك قَارون لغبنت لَا بل بِمَا فِي الْجنان كلهَا مَا ربحت وَمن ذاق عرف إخواني اسمعوا بِحرْمَة الْوَفَاء فَمَا كل وَقت يطلع سُهَيْل فَإِذا خَرجْتُمْ من الْمجْلس فاقصدوا الْمَسَاجِد الخراب وضعُوا وُجُوهكُم على التُّرَاب وابعثوا أنفاس الأسف وَكفى بهَا شَفِيعًا فِي الزلل فَإِن وجدْتُم قُلُوبكُمْ قد حضرت فاذكروني مَعكُمْ

للشريف الرضى

(وَقُولُوا لجيران على الْخيف من منى ... تراكم من استبدلتم بجواريا)

(وَمن ورد المَاء الَّذِي كنت واردا ... بِهِ ورعى العشب الَّذِي كنت رَاعيا)

(فوا لهفتي كم لي على الْخيف شهقة ... تذوب عَلَيْهَا قِطْعَة من فؤاديا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت