(موعظة)
إخواني اعرفوا الدُّنْيَا وَقد سلمتم ثمَّ اعْمَلُوا فِيهَا بِمَا عملتم لَا يَغُرنكُمْ مِنْهَا الوفر فَإِنَّكُم فِيهَا سفر أما بعد تَوْطِئَة المهاد الْحفر أتتوطن مني وتنسى النَّفر
(أرى الدُّنْيَا وَمَا وصفت ببر ... مَتى أغنت فَقِيرا أرهقته)
(إِذا خشيت لشر عجلته ... وَإِن رجيت لخير عوقته)
(تعلقهَا ابْن جهل فِي صباه ... فهام بفارك مَا علقته)
(سقته زَمَانه مقرا وصابا ... وكأس الْمَوْت آخر مَا سقته)
(أبادت قصر قَيْصر ثمَّ جَازَت ... بإيوان ابْن هُرْمُز فارتقته)
(أما افتتحت لَهُ فِي الأَرْض بَيْتا ... فآوته النزيل وأطبقته)
(إِذا انفلت إبنها عَنْهَا بزهد ... ثنته بزخرف قد نمقته)
أَتَرَى لم تَنْفَع التجارب أما ترَوْنَ الدُّنْيَا كَيفَ تحارب أَلا تلقونَ حبلها على الغارب أما سيف الْهَلَاك فِي يَد الضَّارِب تالله لقد جلا صبح الْيَقِين ظلام الغياهب الأعزم زاهد يتَوَكَّأ على عَصا رَاهِب
(ودنياك إِن وهبت بِالْيَمِينِ ... يسَار الْفَتى سلبت باليسار)
إخواني احْذَرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّهَا أَسحر من هاروت وماروت ذَانك يفرقان بَين الْمَرْء وزوجه وَهَذِه تفرق بَين العَبْد وربه وَكَيف لَا وَهِي الَّتِي سحرت سحرة بابل إِن أَقبلت شغلت وَإِن أَدْبَرت قتلت
(نظرت فاقصدت الفؤآد بسهمها ... ثمَّ انْثَنَتْ عَنهُ فكاد يهيم)
(ويلاه إِن عرضت وَإِن هِيَ أَعرَضت ... وَقع السِّهَام ونزعهن اليم)
كم فِي جرع لذاتها من غصص طالبها مَعهَا فِي نغص
(بَكَى عَلَيْهَا حَتَّى إِذا حصلت بَكَى ... عَلَيْهَا خوفًا من الْغَيْر)
إِنَّهَا إِذا صفت حَلَالا كدرت الدّين فَكيف إِذا أخذت من حرَام إِن لحم الذَّبِيحَة ثقيل على المعاء فَكيف إِذا كَانَ ميتَة الظلمَة فِي الظلمَة يَمْشُونَ فِي جمع الحطام يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ على فرَاش الأثام {فَمَا ربحت تِجَارَتهمْ} من نبت جِسْمه على الْحَرَام فمكاسبه كبريت بِهِ يُوقد الْحجر الْمَغْصُوب فِي الْبناء أساس الخراب أَترَاهُم نسوا طي اللَّيَالِي سالف الجبارين وَمَا بلغُوا معشار مَا أتيناهم فَمَا هَذَا الاغترار {وَقد خلت من قبلهم المثلات} فهم ينتظرون من لَهُم إِذا طلبُوا الْعود {وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون} كم بَكت فِي تنعم الظَّالِم عين أرملة وأحرقت كبد يَتِيم {ولتعلمن نبأه بعد حِين} مَا ابيض لون الرَّغِيف حَتَّى اسود وَجه الضَّعِيف مَا تروقت المشارب حَتَّى ترنقت المكاسب مَا عبل جسم الظَّالِم حَتَّى ذوت ذواب ذَات قُوَّة لَا تحتقر دُعَاء الْمَظْلُوم فشرر قلبه مَحْمُول بعجيج صَوته إِلَى سقف بَيْتك نباله مُصِيب ونبله غَرِيب قوسه حرقه ووتره قلقه ومرماته هدف لأنصرنك وَسَهْم سَهْمه الْإِصَابَة وَقد رَأَيْت وَفِي الْأَيَّام تجريب
كم من دَار دارت بنعم النعم دارت عَلَيْهَا دوائر النقم {فجعلناها حصيدا} كم جَار فِي حلبة المنى قد استولى طرفه على الأمد صدمه قهر عُقُوبَة فَأَلْقَاهُ أسْرع من طرف بَينا الْقَوْم ينبسطون على البسيطة كفت أكفهم بمقامع القمع لسبتهم عقارب ظلمهم نفخ عَلَيْهِم ثعبان جَوْرهمْ عقرتهم أسود بطشهم نسفتهم عواصف كبرهم وَفِي الْغَيْر عبر وَيحك إِذا كَانَت رَاحَة اللَّذَّة تعقب تَعب
الْعقُوبَة فدع الدعة تمْضِي فِي غير الدعة وَالله مَا تَسَاوِي لَذَّة سنة غم سَاعَة فَكيف وَالْأَمر بِالْعَكْسِ كم فِي يم الْغرُور من تمساح فاحذر يَا غائض يَا من قد أمكنه الزَّمَان من حركات التَّصَرُّف فِي الْعدْل فَمَا يُؤمن من الزَّمن الزَّمن
(وَمنى بلغت إِلَى الرِّئَاسَة فاستلب ... كرة العلى بصوالج الْمَعْرُوف)
كَانَ عمر يخَاف مَعَ الْعدْل يَا من يَأْمَن مَعَ الْعُدُول رؤى بعد مَوته باثنتي عشرَة سنة فَقَالَ الْآن تخلصت من حسابي وَا عجَبا أقيم أَكثر من سنى الْولَايَة أفينتبه بِهَذَا رَاقِد الْهوى أحسن شَعَائِر الشَّرَائِع الْعدْل الظُّلم ظلمَة فِي نَهَار الْولَايَة وجدب يرْعَى لُحُوم الرّعية وَالْعدْل صَوت فِي صور الحياة يبْعَث بِهِ موتى الْجور أَيهَا الظَّالِم تذكر عِنْد جورك عدل الْحَاكِم تفكر حِين تصرفك فِي سرفك عجبا لَك تَدعِي الظّرْف وَتَأْخُذ المظروف والظرف كلا أَو فِي الظرافة رأفة ستعلم أَيهَا الْغَرِيم قدر غرامك إِذا يلتقي كل ذِي دين وماطله من لم يتبع بمنقاش الْعدْل شوك الظُّلم من أَيدي التَّصَرُّف أثر مَا لَا يُؤمن تعديه إِلَى الْقلب
يَا أَرْبَاب الدول لَا تعربدوا فِي سكر الْقُدْرَة فَصَاحب الشرطة بالمرصاد سُلَيْمَان الحكم قد حبس آصف الْعقُوبَة فِي حصن {فَلَا تعجل عَلَيْهِم} وأجرى رخاء الرَّجَاء {لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة} فَلَو قد هبت سموم الْجَزَاء من مهب {وَلَئِن مستهم نفحة} قلعت سكر {أَنما نملي لَهُم} فَإِذا طوفان التّلف يُنَادي فِيهِ نوح {لَا عَاصِم} فالحذر الحذر قبل {أَن تَقول نفس يَا حسرتى} {ولات حِين مناص} وَأَنت أَيهَا الْمَظْلُوم فَتذكر من أَيْن أتيت فَإنَّك لَا تلقى كدرا إِلَّا من طَرِيق جِنَايَة {لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم}
كَانَ لبان يخلط المَاء بِاللَّبنِ فجَاء سيل فَذهب بالغنم فَجعل يبكي وَيَقُول اجْتمعت تِلْكَ القطرات فَصَارَت سيلا ولسان الْجَزَاء يُنَادِيه يداك أوكتا وفوك نفخ اذكر غفلتك عَن الْآمِر وَالْأَمر وَقت الْكسْب وَلَا تنسى اطراح التَّقْوَى عِنْد مُعَاملَة الْخلق فَإِذا انقض عاصف فَسمِعت صَوت سَوْطه يضْرب عقد الْكسْب جُزْء الْخِيَانَة الْعُقُود فَلَا تستطرف ذَلِك فَأَنت الْجَانِي أَولا والبادي أظلم