(موعظة)
يَا ساعيا لنَفسِهِ فِي المهالك دنا الرحيل ونضو النقلَة بَارك مَتى تذكر وحشتك بعد إيناسك
مَتى تقتدي من ناسك بناسك كَأَنَّك بك قد خرجت عَن أهلك وولدك وانفردت عَن عددك وعددك وقتلك سيف النَّدَم وَلم يدك ورحلت وَلم يحصل بِيَدِك إِلَّا عض يدك
(كَأَنَّك لم تسمع بأخبار من مضى ... وَلم تَرَ فِي البَاقِينَ مَا يصنع الدَّهْر)
(فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك دِيَارهمْ ... محاها مجَال الرّيح بعْدك والقطر)
(على ذَاك مروا أَجْمَعُونَ وَهَكَذَا ... يَمرونَ حَتَّى يستردهم الْحَشْر)
(فحتام لَا تصحو وَقد قرب المدى ... وحتام لَا ينجاب عَن قَلْبك السكر)
(بل سَوف تصحو حِين ينْكَشف الغطا ... وتذكر قولي حِين لَا ينفع الذّكر)
يَا من يُذنب وَلَا يَتُوب كم قد كتبت عَلَيْك ذنُوب خل الأمل الكذوب فَرب شروق بِلَا غرُوب وآأسفي أَيْن الْقُلُوب تَفَرَّقت بالهوى فِي شعوب ندعوك إِلَى صلاحك وَلَا تؤوب وَاعجَبا النَّاس ضروب مَتى تَنْتَهِ لخلاصك أَيهَا الناعس مَتى تطلب الْأُخْرَى يَا من على الدُّنْيَا ينافس مَتى تذكر وحدتك إِذا انْفَرَدت عَن موانس يَا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس يَا من تحدثه الْأَمَانِي دع هَذِه الوساوس
أَيْن الْجَبَابِرَة الأكاسرة الشجعان الفوارس أَيْن الْأسد الضواري والظباء الكوانس أَيْن من اعْتَادَ سَعَة الْقُصُور حبس من الْقُبُور فِي
أضيق المحابس أَيْن الرافل فِي أثوابه عرى فِي ترابه عَن الملابس أَيْن الغافل فِي أمله عَن أَجله سلبه كف المخالس أَيْن حارس المَال أَخذ المحروس وَقتل الحارس
يَا مضمرا حب الدُّنْيَا إِضْمَار الْجمل الحقود نبعث منقاش اللوم وَمَا يصل إِلَى شظايا الْمحبَّة الدُّنْيَا جيفة قد أراحت ومزكوم الْغَفْلَة مَا يدْرِي سوق فِيهَا ضجيج الْهوى فَمن يسمع المواعظ
(علمتني بهجرها الصَّبْر عَنْهَا ... فَهِيَ مشكورة على التقبيح)
إِذا أردْت دَوَاء حبها فَمَا قل فِي الشربة صَبر انْفَرد فِي صومعة الزّهْد وَاحْفِرْ خَنْدَق الحذر وأقم حارس الْوَرع وَلَا تطلع من خوخة مُسَامَحَة فَإِن البغى فِي الْفَتى صناع
لصردر
(النَّجَاء النَّجَاء من أَرض نجد ... قبل أَن يعلق الْفُؤَاد بوجد)
(كم خلى غَدا إِلَيْهِ وَأمسى ... وَهُوَ يهوى بعلوة وبهند)
حصن حصن التقى بسور القناعة فَإِن لص الْحِرْص يطْلب ثلمة
غَرِيم الطَّبْع متقاض ملح والشره شرك وخمار المنى دَاء قَاتل بَينا الْحِرْص يمد وتر الأمل انْقَطع هَل الْعَيْش إِلَّا كأس مشوبة بالكدر ثمَّ رسوبها الْمَوْت {فابتغوا عِنْد الله الرزق}
قَالَ مُحَمَّد بن وَاسع لَو رَأَيْتُمْ رجلا فِي الْجنَّة يبكي أما كُنْتُم تعْجبُونَ؟ قَالُوا بلَى قَالَ فأعجب مِنْهُ فِي الدُّنْيَا رجل يضْحك وَلَا يدْرِي إِلَى مَا يصير.
ضحك بعض الصَّالِحين يَوْمًا ثمَّ انتبه لنَفسِهِ فَقَالَ تضحكين وَمَا جزت الْعقبَة وَالله لَا ضحِكت بعْدهَا حَتَّى أعلم بِمَاذَا تقع الْوَاقِعَة
(يَا نسيم الشمَال بِاللَّه بلغ ... مَا يَقُول المتيم المستهام)
(قل لأحبابنا فداكم محب ... لَيْسَ يسلو ومقلة لَا تنام)
(كل عَيْش وَلَذَّة وسرور ... قبل لقياكم على حرَام)
فرغ الْقَوْم قُلُوبهم من الشواغل فَضربت فِيهَا سرادقات المحبوب فأقاموا الْعُيُون تحرس تَارَة وترش الأَرْض أُخْرَى هَيْهَات هان سهر الحراس لما علمُوا أَن أَصْوَاتهم بسمع الْملك
قُلُوب العارفين مملؤة بِذكر الحبيب لَيْسَ فِيهَا سَعَة لغيره
(قد صِيغ قلبِي على مِقْدَار حبهم ... فَمَا لحب سواهُم فِيهِ متسع)
إِن نطقوا فبذكره وَإِن تحركوا فبأمره وَإِن فرحوا فلقربه وَإِن ترحوا فلعتبه
(وَالله مَا طلعت شمس وَلَا غربت ... إِلَّا وَأَنت منى قلبِي ووسواسي)
(وَلَا جَلَست إِلَى قوم أحدثهم ... إِلَّا وَأَنت حَدِيثي بَين جلاسي)
(وَلَا هَمَمْت بِشرب المَاء من عَطش ... إِلَّا رَأَيْت خيالا مِنْك فِي الكاس)
أقواتهم ذكرى الحبيب وأوقاتهم بالمناجاة تطيب لَا يصبرون عَنهُ لَحْظَة وَلَا يَتَكَلَّمُونَ فِي غير رِضَاهُ بِلَفْظَة
(حَياتِي مِنْك فِي روح الْوِصَال ... وصبري عَنْك من سلب الْمحَال)
(وَكَيف الصَّبْر عَنْك وَأي صَبر ... لعطشان عَن المَاء الزلَال)
(إِذا لعب الرِّجَال بِكُل شَيْء ... رَأَيْت الْحبّ يلْعَب بِالرِّجَالِ)
كم تدرس أخبارهم وَمَا تدرس لَئِن طواهم الفناء لقد نشرهم الثَّنَاء لَو سمعتهم فِي الدجا يعجون لَو رَأَيْتهمْ فِي الأسحار يضجون لَوْلَا نسايم الرَّجَاء كَانُوا ينضجون
(مَا لي عَن وصلك اصطبار ... إِلَيْك من هجرك الْفِرَار)
(أَصبَحت ظمآن ذَا جفون ... مياه أخلافها غزار)
(أروم كتمان مَا أُلَاقِي ... وبالاماقي لَهُ اشتهار)
(وَمن نسيم الصِّبَا إِذا مَا ... هبت على أَرْضكُم أغار)
(آه لذكرى ديار سلمى ... لَا أجدبت تلكم الديار)
(لهفي لعيش بهَا تولي ... نَظِير أَيَّامه النضار)
(إِذْ أعين الدَّهْر راقدات ... وَفِي غُضُون الْهوى ثمار)