(موعظة)
الدُّنْيَا دَار المحن ودائرة الْفِتَن ساكنها بِلَا وَطن واللبيب قد فطن
للْمُصَنف
(من مَال إِلَى الدُّنْيَا وصبا ... قد أمعن فِي الفاني طلبا)
(خُذ مَا يبْقى كَيْلا تشقى ... وَاتبع حَقًا ودع اللعبا)
(وذر الدُّنْيَا فلكم قتلت ... مكرا بسهام هوى وصبا)
(برت ورعت فَإِذا اجْتمعت ... خدعت حَتَّى قطعب إربا)
(يَا عاشقها كم قد نصبت ... لهلاكك فاحذرها سَببا)
(يَا آمنها كم قد سلبت ... ولدا برا أما وَأَبا)
(أفأين الْجَار أما قد جَار ... فجارته حَتَّى ذَهَبا)
(أم أَيْن التُّرَاب أما تربت ... خداه أما سكن التربا)
(كم خدت خدا فِي الْأُخْدُود ... وقدت قدا منتصبا)
(كم ثغر ملتثم ثلمت ... قد كَانَ لراشفه ضربا)
(فسقته المر لَدَى جدث ... وكذاك الدَّهْر إِذا ضربا)
(وَأَتَتْ قصرا يحوي نصرا ... فغدا وقصاراه خربا)
(ومليكا فِي صولة دولته ... اضحى فِي الحفرة مغتربا)
(عرج بأمدار على الْآثَار ... وسل طللا أَمْسَى شجبا)
(ينبيك بِأَنَّهُم رحلوا ... وثوى من بعدهمْ الغربا)
(بَينا الْإِنْسَان يرى رَأْسا ... فهوى رَأْسا فغدا ذَنبا)
(فَتَأمل عَاقِبَة الدُّنْيَا ... فلعلك تصبح مجتنبا)
(وتدبر مَا صنعت فَلَقَد ... أبدت بصنايعها عجبا)
(ينساك الْأَهْل إِذا رجعُوا ... عَن قبرك لَا تسمع كذبا)
(تركوك أَسِيرًا إِذْ ذَهَبُوا ... بِتُرَاب ضريحك محتجبا)
(وغدوا فرحين بِمَا أخذُوا ... وغدوت بإثمك محتقبا)
(وَترى أعمالك قد حضرت ... فتنكس رَأسك مكتئبا)
(فكر فِي الذَّنب وَمَا احتقبت ... كَفاك عَلَيْك وَمَا اكتسبا)
(كم بت على ذَنْب فَرحا ... وغدوت على ذَنْب طَربا)
(وَعلمت بِأَن الله يرى ... فأسأت وَلم تحسن أدبا)
(فأعد الزَّاد فَمَا سفر ... كالموت ترى فِيهِ نصبا)
(وَافق والعمر بِهِ رَمق ... فَكَأَن قد فَاتَ وَقد ذَهَبا)
يَا كثير الدَّرن والدنس يَا من كلما قيل أقبل انتكس يَا من أَمر بترك مَا يفنى لما يبْقى فعكس جَاءَ الْأَجَل وَحَدِيث الأمل هوس يَا مؤثرا على الصَّوَاب عين الْغَلَط يَا جَارِيا فِي أمره على أقبح نمط يَا مضيعا وقته المغتم الْمُلْتَقط أَي شَيْء بَقِي بعد الشمط أتنسى مَا سلف لَك وفرط وَأَبُوك بزلة وَاحِدَة هَبَط مَا عنْدك من التَّوْبَة خبر وَلَا لَهَا فِيك أثر تنوب من الذَّنب فَإِذا بدا لَك بدا لَك
من علم أَن عندنَا حسن المآب آب من خَافَ الْجَزَاء بِمَا فِي الْكتاب تَابَ من حذر أَلِيم الْعَذَاب ذاب من سَار فِي طَرِيق الْإِيجَاب انجاب من ذكر فعل الْمَوْت بِالْأَبِ وَالْجد جد من تفكر فِي مرَارَة الكأس كاس وَيحك دع محبَّة الدُّنْيَا فعابر السَّبِيل لَا يتوطن وَاعجَبا تضيع مِنْك حَبَّة فتبكي وَقد ضَاعَ عمرك وَأَنت تضحك تستوفي مكيال هَوَاك وتطفف فِي كيل صَلَاتك {أَلا بعدا لمدين}
تقف ببدنك فِي الْمِحْرَاب ووجهك ملتفت للجراب مَا يصلح مثلك فِي الجرب أَنْت تفضح صف الْجِهَاد مَا تحسن الزردية على مخنث خمسين سنة فِي مكتب التَّعْلِيم وَمَا حذقت أَبَا جاد غَدا توبخ وَقت عرض أَلْوَاح {أولم نُعَمِّركُمْ}
بضاعتك أَيَّام عمرك وَقد انتهبها
قطاع الطَّرِيق وَرجعت إِلَى بَيت الأسف بأعدال فارغة فَانْظُر لَعَلَّه تخلف فِيهَا شَيْء تعامل بِهِ فبقية عمر الْمُؤمن لَا قيمَة لَهُ
(سقيا لزماننا الَّذِي كَانَ لنا ... وافقرى أبعد ذَا الْفقر غنى)
(مر أسْرع مَا توقع الْبَين بِنَا ... واقرب منيتي وَمَا نلْت مني)
كَانَ فضَالة بن صَيْفِي كثير الْبكاء فَدخل عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يبكي فَقَالَ لزوجته مَا شَأْنه؟ قَالَت زعم أَنه يُرِيد سفرا بَعيدا وَمَاله زَاد
يَا هَذَا الْآخِرَة دَار سكانها الْأَخْلَاق الجميلة فصادقوا الْيَوْم سكانها لتنزلوا عَلَيْهِم يَوْم الْقدوم فَإِن من قدم إِلَى بلد لَا صديق لَهُ بِهِ نزل بالعراء يَا هَذَا فنى الْعُمر فِي خدمَة الْبدن وحوائج الْقلب كلهَا واقفة إنهض إِلَى التلافي قبل التّلف الكلف يداوي قبل أَن يصير بهقا والبهق يلاطف قبل أَن يعود برصا أما سَمِعت فِي بداية الزلل {إِذا مسهم طائف} وَفِي وَسطه {كلا بل ران على قُلُوبهم} وَفِي آخِره {أم على قُلُوب أقفالها}
أَتَبْكِي على مَعَاصِيك والإصرار يضْحك أتخادع التَّوْبَة وَإِنَّمَا تَمْكُر بِدينِك
(رَأَيْت النَّاس خداعا ... إِلَى جَانب خداع)
(يعيشون مَعَ الذِّئْب ... ويبكون مَعَ الرَّاعِي)
وَيحك حصل كبريت عَزِيمَة قبل أَن تقدح نَار تَوْبَة وَقبل نزُول الْحَرْب تملأ الكمائن وَيحك لَا تطمع أَن تخرج إِلَى فضاء قَلْبك حَتَّى تتخلص من ربقات نَفسك كَيفَ لَا يفْتَقر إِلَى الرياضة لإِزَالَة الكدر من أول غذائه دم الطمث إبك على ظلام قَلْبك يضيء إِذا بَكت السَّحَاب إِلَى الربى تنسمت
يَا هَذَا تسمع بالكيمياء وَمَا رَأَيْته صَحَّ قطّ اجمع عقاقير التَّوْبَة فِي بوتقة الْعَزْم وأوقد تحتهَا نَار الأسى على مَا سلف فَإِن تصعد مِنْهَا نفس أَسف صَار نُحَاس نحوسك ذهب سَعَادَة أَتَرَى فِي بستاننا الْيَوْم
الثمر قد توجه صَلَاحه كَأَنِّي أَشمّ ريح كبد محترقة أَي قلب قد لفحته نَار الوجد ففاح نسيمه أحسن منظوم فِي سلك الاعتذار خرز الذل أحلى نطق يلج سمع الْقبُول الإستغفار أطرب كَلَام يُحَرك قلب الرَّحْمَة التملق
(يَا من بصدودهم لقلبي جرحوا ... وازداد بِي الغرام لما نزحوا)
(مَا جدت بهم وهم بهجري سمحوا ... هَذَا الْمَطْرُوح كم ترى يطْرَح)
قَالَ عبد الله بن مَرْزُوق لغلامه عِنْد الْمَوْت إحملني فاطرحني على تِلْكَ المزبلة لعَلي أَمُوت عَلَيْهَا فَيرى ذلي فيرحمني
(عودوا وتعطفوا على قلب كئيب ... لَو جيب لبان فِيهِ حزن ووجيب)
(يدعى للْمَوْت فِي هواكم فيجيب ... من أمل مثل فَضلكُمْ كَيفَ يخيب)
المذنب يأوي إِلَى الذل والبكا كَمَا يأوي الطِّفْل إِلَى الْأَبَوَيْنِ بَكَى أبوكم آدم على تفريطه حَتَّى جرت الأودية من دُمُوعه كَانَ كلما ذكر الْجنَّة قلق وَكلما رأى الْمَلَائِكَة تصعد يَحْتَرِق تذكر الْمعَاهد فحن
(وَالَّذِي بالبين والبعد بلاني ... مَا جرى ذكر الْحمى إِلَّا شجاني)
(حبذا أهل الْحمى من سَاكن ... شفني الشوق إِلَيْهِم وبراني)
(كلما رمت سلوا عَنْهُم ... جذب الشوق إِلَيْهِم بعناني)
(أحسد الطير إِذا طارت إِلَى ... أَرضهم أَو أقلعت للطيران)
(أَتَمَنَّى أنني أصحبها ... نحوهم لَو أنني أعْطى الْأَمَانِي)
(لَا تزيدوني غراما بعدكم ... خل بِي من بعدكم مَا قد كفاني)
(ذهب الْعُمر وَلم أحظ بكم ... وتقضي فِي تمنيكم زماني)
(يَا خليلي احفظا عهدي الَّذِي ... كنتما قبل النَّوَى عاهدتماني)
(واذكراني مثل ذكري لَكمَا ... فَمن الْإِنْصَاف أَن لَا تنسياني)
(وسلا من أَنا أهواه على ... أَي جرم صد عني وجفاني)