رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ مَا من يَوْم إِلَّا وَملك الْمَوْت يُنَادي يَا أهل الدُّنْيَا عجلوا عجلوا لِأَن أهل الْقُبُور محبوسون من أجلكم اتْرُكُوا مَا جمعتم وخربوا مَا بنيتم الويل لكم إِن أدرككم الْمَوْت على هَذِه الْحَالة زينتم الدّور ونسيتم الْقُبُور
اذْكروا الْقَبْر ووحشته وَالْمَوْت وسكرته والصراط ودقته
وَالْمَوْت سكرة فِي سكرة وحيرة فِي حيرة وجذبة يَا لَهَا من جذبة
فالمسكين يكابد غصص الْمنون داهش الْعقل كالمحزون
فَالله الله عباد الله أفيقوا من سكراتكم
وانتبهوا من نوماتكم واستيقظوا من غفلاتكم قبل نزُول الْمنية وحلول الرزية وَوَقع البلية
حَيْثُ لَا مَال نَافِع وَلَا حميم شَافِع وَلَا فَرح وَاقع وَلَا رَجَاء طامع وَلَا حَسَنَة تزاد وَلَا حَيَاة تُعَاد ويزودك أحبابك بالصراخ ويكثرون عَلَيْك الْبكاء والنواح فَلَا عَثْرَة تقال وَلَا رَجْعَة تنَال
وأنشدوا
(أَلا إِن أَيَّام الْحَيَاة مراحل ... طَرِيق الْفَتى مِنْهَا إِلَى الْمَوْت سَاحل)
(يسر بِمَا يمْضِي لما هُوَ آمل ... وَيَأْتِي الردي من دون مَا هُوَ آمل)
(وَمَا يَوْمه إِلَّا غَرِيم مُحكم ... إِذا مَا اقْتَضَاهُ نَفسه لَا يماطل)
(عجبت لمن يَبْغِي السَّلامَة جاهدا ... وَمر اللَّيَالِي كُلهنَّ غوائل)
(وَنحن بَنو الْأَيَّام نظلم نفوسنا ... وَنَرْجِع وَهِي القاتلات الثواكل)
(وَمن لحظ الدُّنْيَا بِعَين بَصِيرَة ... رأى عينهَا فِي نَفسه وَهُوَ شائل)
(عظة من الْغَفْلَة)
أَيهَا الْإِنْسَان وكلنَا ذَلِك الْإِنْسَان اسْتَيْقَظَ من غفلتك وهب من رقدتك
قد آن أَن يَدعِي إِلَيْك الطَّبِيب بِجمع الدَّوَاء فَلَا يُرْجَى لَك مِمَّا نزل بك الشِّفَاء
ثمَّ يُقَال فلَان قد أوصى وَجَمِيع مَا لَهُ قد أحصى
قد تَبرأ من الدُّنْيَا وعلائقها وَأَقْبل إِلَى الْآخِرَة وحقائقها
ثمَّ ضعف جنانك وَثقل لسَانك وَانْقطع عَن كلامك فَلَا تكلم إخوانك وَكَثُرت خطوبك وعظمت كروبك إِذا عرضت عَلَيْك عِنْد كشف الغطاء ذنوبك واشتدت الأحزان وَعلا صُرَاخ النسوان وحزن الصّديق الْوَدُود وَفَرح الْعَدو الحسود ثمَّ يُقَال لَك هَذَا ولدك الصَّغِير وَهَذَا الْكَبِير وَهَذِه بنتك الْكُبْرَى وَهَذِه شقيقتها الصُّغْرَى فَلَا ترد عَلَيْهِم جَوَابا وَلَا يَسْتَطِيع لسَانك خطابا ثمَّ اشْتَدَّ بك النزع والسياق إِذا الْتفت السَّاق بالساق وانتزع ملك الْمَوْت روحك الضَّعِيف وعرج بِهِ إِلَى مَوْلَاك الرب اللَّطِيف يجازيك على مَا قدمت فِي سالف الْأَيَّام ويسألك عَمَّا اكْتسبت من الْحَلَال وَالْحرَام
وَأمر بك إِمَّا إِلَى جنَّة عالية ذَات نعيم وخلود وَإِمَّا إِلَى نَارٌ حَامِيَةٌ ذَات جحيم ووقود وزودت من مَالك حنوطا وكفنا وَنزلت فِي رمسك بعملك مرتهنا
وَانْصَرف أهلك لقسمة مَا خلفت من الْأَمْوَال وَمَا سعيت فِيهِ من الْحَرَام والحلال
وأنشدوا
(أبقيت مَالك مِيرَاثا لوَارِثه ... فليت شعري مَا أبقى لَك المَال)
(الْقَوْم بعْدك فِي حَال يسرهم ... فَكيف بعدهمْ صَارَت بك الْحَال)
(ملوا الْبكاء فَمَا يبكيك من أحد ... واستحكم القيل فِي الْمِيرَاث والقال)
(مَالَتْ بهم عَنْك دنيا أَقبلت لَهُم ... وأدبرت عَنْك وَالْأَيَّام أَحْوَال)
قَالَ رجل من الصَّالِحين رَأَيْت رجلا قد مَاتَ ووراثه يختصمون فِي مِيرَاثه قبل أَن تخرج جنَازَته فَقلت هَذِه الأبيات الْمُتَقَدّمَة.
ذكر فِي بعض الْأَخْبَار أَن الْمَيِّت يُنَادي إِذا وضع على المغتسل أَيْن لسَانك الفصيح مَا أسكتك أَيْن صَوْتك الشجي مَا أخرسك أَيْن رِيحك الْعطر مَا أنتنك أَيْن حركاتك مَا أسكنك أَيْن أموالك الْكَثِيرَة مَا أفقرك الويل لَك إِن كنت عَاصِيا والبشرى لَك إِن كنت طَائِعا وتناديه الْمَلَائِكَة إِذا وضع فِي الْقَبْر يَا عبد الله أَنْت تركت الدُّنْيَا أم الدُّنْيَا تركتك أَنْت جمعت الدُّنْيَا أم الدُّنْيَا جمعتك أَنْت استعددت للمنية أم الْمنية عافصتك خلقت من التُّرَاب وأعدت للتراب
وأنشدوا
(خلقت من التُّرَاب بِغَيْر ذَنْب ... وعدت إِلَى التُّرَاب ولي ذنُوب)
(فَمَالِي لَا أجاهد فِي خلاصي ... بعزم للمعاصي لَا أَتُوب)
(وَمَالِي أثقلت ظَهْري ذنُوب ... وَمِنْهَا لَا أمل وَلَا أنيب)
(وَمَالِي لَا أرق لسوء حَالي ... وَمن نَفسِي عَليّ غَدا رَقِيب)
(وَمَالِي مبعد مقصى طريد ... وَفِي كل القبائح لي ضروب)
(وَكم بِالْبرِّ تسويفي ومطلي ... وَلَا أَدْرِي مَتى تَأتي شعوب)
(فيا من لَيْسَ لي رب سواهُ ... عليم بِالَّذِي أَدْعُو يُجيب)
(تجَاوز يَا إلهي عَن ضَعِيف ... بغفران لعَلي عَسى أَتُوب)
(وهب لي ذلتي وعظيم جُرْمِي ... فَأَنت الْوَاحِد الْفَرد الْقَرِيب)