(فصل)
وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْحَزْمِ يُعَوِّدُونَ أَنْفُسَهَمْ مُخَالَفَةَ هَوَاهَا وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِيَقَعَ التَّمْرِينُ لِلْنَفْسِ عَلَى مَا تَرَكَ الْهَوَى مُطْلَقًا وَلِيَطْلُبَ الأَرْبَاحَ فِي الْمُعَامَلَةِ بِتَرْكِ الْمُبَاحِ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا رُمَيْثَةُ وَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تحبون وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأُحِبُّكِ فِي الدِّينَا اذْهَبِي فَأَنْتِ لِوَجْهِ اللَّهِ.
عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ كَانَتْ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ زَوْجَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَارِيَةٌ ذَاتُ جَمَالٍ فَائِقٍ وَكَانَ عُمَرُ مُعْجَبًا بِهَا قَبْلَ أَنْ تُفْضِيَ إِلَيْهِ الْخِلافَةُ فَطَلَبَهَا مِنْهَا وَحَرِصَ فَأَبَتْ دَفْعَهَا إِلَيْهِ وَغَارَتْ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِ عُمَرَ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَمَرَتْ فَاطِمَةُ بِالْجَارِيَةِ فَأُصْلِحَتْ ثُمَّ جُلِيَتْ فَكَانَتْ حَدِيثًا فِي حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا ثُمَّ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ بِالْجَارِيَةِ عَلَى عُمَرَ فَقَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ كُنْتَ بِفُلانَةَ جَارِيَتِي مُعْجَبًا وَسَأَلْتَنِيهَا فَأَبَيْتُ ذَلِكَ عَلَيْكَ وَإِنَّ نَفْسِي قَدْ طَابَتْ لَكَ بِهَا الْيَوْمَ فَدُونَكَهَا فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ اسْتَبَانَتِ الْفَرَحَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ ابْعَثِي بِهَا إِلَيَّ فَفَعَلَتْ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ أَعْجَبَهُ فَازْدَادَ بِهَا عَجَبًا فَقَالَ لَهَا أَلْقِ ثَوْبَكِ فَلَمَّا هَمَّتْ أَنْ تَفْعَلَ قَالَ عَلَى رِسْلِكِ اقْعُدِي أَخْبِرِينِي لِمَنْ كُنْتِ وَمَنْ أَيْنَ أَنْتِ لِفَاطِمَةَ؟ قَالَتْ كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ أَغْرَمَ عَامِلا كَانَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَالا وَكُنْتُ فِي رَقِيقِ ذَلِكَ الْعَامِلِ فَاسْتَصْفَانِي عَنْهُ مَعَ رَقِيقٍ لَهُ وَأَمْوَالٍ فَبَعَثَ بِي إِلَى عَبْدِ الْملك بن مَرْوَان وَأَنا يومئذ صَبِّيَةٌ فَوَهَبَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ لابْنَتِهِ فَاطِمَةَ.
قَالَ وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الْعَامِلُ؟ قَالَتْ هَلَكَ قَالَ وَمَا تَرَكَ وَلَدًا؟ قَالَتْ بَلَى.
قَالَ وَمَا حَالُهُمْ؟ قَالَتْ سَيِّئَةٌ قَالَ شُدِّي عَلَيْكِ ثَوْبَكِ
ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ عَامِلِهِ أَنْ سَرِّحْ لِي فُلانَ بْنَ فُلانٍ عَلَى الْبَرِيدِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ لَهُ ارْفَعْ إِلَيَّ جَمِيعَ مَا أَغْرَمَ الْحَجَّاجُ أَبَاكَ فَلَمْ يَرْفَعْ إِلَيْهِ شَيْئًا إِلا دَفَعَهُ إِلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْجَارِيَةِ فَدُفِعَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا أَخَذَ بِيَدِهَا قَالَ إِيَّاكَ وَإِيَّاهَا فَإِنَّكَ حَدِيثُ السِّنِّ وَلَعَلَّ أَبَاكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا فَقَالَ الْغُلامُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ لَكَ.
قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا.
قَالَ فَابْتَعْهَا مِنِّي قَالَ لَسْتُ إِذَنْ مِمَّنْ يَنْهَى النَّفْسَ
عَنِ الْهَوى.
فَمَضَى الْفَتَى بِهَا فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ فَأَيْنَ مَوْجِدَتَكَ بِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ إِنَّهَا لَعَلَى حَالِهَا وَلَقَدِ ازْدَادَتْ
فَلَمْ تَزَلِ الْجَارِيَةُ فِي نَفْسِ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: بَعَثَ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَشَّابِينَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ إِنْ رَأَيْتُمْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَاصْلُبُوهُ.
قَالَ فَجَاءَ النَّجَّارُونَ وَنَصَبُوا الْخَشَبَ وَنُودِيَ سُفْيَانُ وَإِذَا رَأْسُهُ فِي حِجْرِ الْفَضْلِ وَرِجْلاهُ فِي حِجْرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
قَالَ فَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُشْمِتْ بِنَا الأَعْدَاءَ.
قَالَ فَتَقَدَّمَ إِلَى الأَسْتَارِ ثُمَّ أَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ بَرِئْتُ مِنْهُ إِنْ دَخَلَهَا أَبُو جَعْفَرٍ.
قَالَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ سُفْيَانُ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
فَتَلَمَّحْ يَا أَخِي أَثَرَ خِلافِ الْهَوَى كَيْفَ بَانَ فِي مَقَامٍ لَوْ أَقْسَمَ وَمَيِّزْ مَا بَيْنَ إِدْلالِ الْمُطِيعِ وَذُلِّ الْعَاصِي.
وَقَدْ سَمِعْتَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا جَاءَهُ مُنكر وَنَكِير جذب بذاؤبة هَذَا وَذُؤَابَةِ هَذَا وَقَالَ مَنْ رَبُّكُمَا؟ وَلَوْلا انْقِبَاضُ يَدِهِ عَنِ الْهَوَى مَا انْبَسَطَتْ إِلَى مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ ظَاهِرُ التَّقْوَى شَرَفُ الدُّنْيَا وَبَاطِنُهَا شَرَفُ الآخِرَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا عَكَسْتَ هَذِهِ الْحَالَ فِي حَقِّ مُوَافِقِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ رَأَيْتَ الذُّلَّ مُلازِمًا وَالْجَاهَ مُنْكَسِرًا وَكَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ فِي الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ مَنْ عُرِفَ عِنْدَهُمْ بِقَهْرِ الْهَوَى عَظُمَ، وَمَنْ نُبِزَ بِأَنَّهُ مَقْهُورُ الْهَوَى أُهِينَ فَالْعَجَبُ مِنْ سَكْرَةِ ذِي الْهَوَى كَيْفَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ لَمْ يَرَ غَيْرَ اللُّوائِمِ.