فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 796

وأنشدوا:

(مَنْ نَالَهُ دَاءٌ دَوٍ بِذُنُوبِهِ ... فَلْيَأْتِ فِي رَمَضَانَ بَابَ طَبِيبِهِ)

(فَخُلُوفُ هَذَا الصَّوْمِ يَا قَوْمِ اعْلَمُوا ... أَشْهَى مِنَ المسك السحيق وطيبه)

(أو ليس هَذَا الْقَوْلُ قَوْلَ مَلِيكِكُمْ ... الصَّوْمُ لِي وَأَنَا الَّذِي أَجْزِي بِهِ)

أَيْنَ مَنْ كَانَ مَعَكُمْ في رمضان الماضي؟ أما أفتنه آفَاتُ الْمَنُونِ الْقَوَاضِي، أَيْنَ مَنْ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ؟ سَافَرَ عَنْ دَارِهِ مُنْذُ زَمَانٍ وَلَمْ، أَيْنَ مَنْ صَبَرَ عَلَى مَشَقَّةِ الْجُوعِ وَالظَّمَا، غَابَ فَمَا آبَ وَمَضَى فَمَا، أَيْنَ الَّذِينَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالأَدْعِيَةِ خَرَجَتْ تِلْكَ الْجَوَاهِرُ مِنْ تِلْكَ الأَوْعِيَةِ، أَيْنَ مَنْ جَمَعَ مَالا وَوَفَرَّا، وَأَعْلَقَ مِنْ ظُفْرِهِ بِالْمُرَادِ ظَفْرًا،

وَمَشَى إِلَى أَغْرَاضِهِ جَمْزًا وَطَفْرًا، أَمَا أَخْرَجَ الْمَوْتُ كَفَّهُ صِفْرًا؟ أَمَا أَعَادَ دِيَارَهُ بِالْخَرَابِ قَفْرًا؟ كَانَتْ تُلاحِظُهُ عُيُونُ الأَجْدَاثِ خَزْرًا وَتَلْمَحُهُ وَهُوَ فِي لَذَّاتِهِ شَزْرًا، فَنَقَلَتْهُ وَهُوَ أَثْقَلُ بِالْوِزْرِ أَزْرًا، ثُمَّ طَالَ عَذَابُهُ وَإِنَّمَا نَالَ نُزْرًا، وَأَوْطَأَتْهُ جَمْرًا لا يُشْبِهُ جَمْرًا فَبَانَ فِي أَسْرِهِ أَذَلَّ الأَسْرَى.

(سَلِ الأَيَّامَ مَا فَعَلَتْ بِكِسْرَى ... وَقَيْصَرَ وَالْقُصُورَ وَسَاكِنِيهَا)

(أَمَا اسْتَدْعَتْهُمْ لِلْمَوْتِ طُرًّا ... فَلَمْ تَدَعِ الْحَلِيمَ وَلا السَّفِيهَا)

(دَنَتْ نَحْوَ الدَّنِيِّ بِسَهْمِ خَطْبٍ ... فَأَصْمَتْهُ وَوَاجَهَتِ الْوَجِيهَا)

(أَمَا لَوْ بِيعَتِ الدُّنْيَا بِفَلْسٍ ... أَنِفْتُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَشْتَرِيهَا)

إِخْوَانِي: تَفَكَّرُوا لِمَاذَا خُلِقْتُمْ فَالتَّفَكُّرُ عِبَادَةٌ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَ الإِلَهِ فَقَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ، وَالْتَفِتُوا عَنْ أَسْبَابِ الشَّقَاءِ إِلَى أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي نَقْصٍ مِنَ الأَعْمَارِ لا فِي زِيَادَةٍ.

آهٍ لِنَفْسٍ أَقْبَلَتْ عَلَى الْعَدُوِّ وَقَبِلَتْ، وَبَادَرَتْ مَا يُؤْذِيهَا مِنَ الْخَطَايَا وَعَجِلَتْ، مَنْ لَهَا إِذَا نُوقِشَتْ عَلَى أَفْعَالِهَا وَسُئِلَتْ، وَقُرِّرَتْ بِقَبَائِحِهَا يَوْمَ الْحَشْرِ فَخَجِلَتْ، وَقُيِّدَتْ بِقُيُودِ النَّدَمِ عَلَى التَّفْرِيطِ وَكُبِلَتْ، وَشَاهَدَتْ يَوْمَ الْجَزَاءِ قُبْحَ مَا كَانَتْ عَمِلَتْ، وَسُلَّ عَلَيْهَا سَيْفُ الْعِتَابِ يَوْمَ الْحِسَابِ فَقُتِلَتْ.

أَيُّهَا الْغَافِلُ عَنْ فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ اعْرِفْ زَمَانَكَ، يَا كَثِيرَ الْحَدِيثِ فِيمَا يُؤْذِي احْفَظْ لِسَانَكَ، يَا مَسْئُولا عَنْ أَعْمَالِهِ اعْقِلْ شَانَكَ، يَا مُتَلَوِّثًا بِالزَّلَلِ اغْسِلْ بِالتَّوْبَةِ مَا شَانَكَ، يَا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ كُلُّ قَبِيحٍ تَصَفَّحْ دِيوَانَكَ.

(أَقْلِلْ كَلامَكَ وَاحْتَرِزْ مِنْ شَرِّهِ ... إِنَّ الْبَلاءَ بِبَعْضِهِ مَقْرُونُ)

(وَكِلْ فُؤَادَكَ بِاللِّسَانِ وَقُلْ لَهُ ... إن الكلام عليكما موزون)

(فزناه فليك مُحْكَمًا فِي قِلَّةٍ ... إِنَّ الْبَلاغَةَ فِي الْقَلِيلِ تَكُونُ)

يَا مَنْ أَكْثَرُ عُمْرِهِ قَدْ مَضَى، يَا مَنْ نَفْسُهُ مَعَ اللَّحَظَاتِ تُقْتَضَى، يَا مَنْ قَدْ أَنْذَرَهُ سَلْبُ الْقَرِينِ مُعَرِّضًا، كَيْفَ يَحْتَرِسُ الْعُرْيَانُ مِنْ سَيْفٍ مُنْتَضَى، إِنْ كَانَ مَا فَرَّطَ يُوجِبُ السَّخَطَ فَاطْلُبْ فِي هَذَا الشَّهْرِ الرِّضَا، يَا كَثِيرَ الْقَبَائِحَ غَدًا تَنِطْقُ الْجَوَارِحُ، أَيْنَ الدُّمُوعُ السَّوَافِحُ عَلَى تِلْكَ الْقَبَائِحِ، يَا ذَا الدَّاءِ الشَّدِيدِ الْفَاضِحِ، مَا أَعْسَرَ مَرَضَ الْجَوَانِحِ، هَذَا الشَّيْبُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَذُولٌ نَاصِحٌ، جَائِحَتُهُ لا تُشْبِهُ الْجَوَائِحُ، يُضَعْضِعُ الأَرْكَانَ الصَّحَائِحَ، يَسُدُّ أَبْوَابَ اللَّهْوِ وَالْمَمَازِحِ، وَالْمَوْتُ فِي خِلالِهِ مُبِينٌ لائِحٌ، أَيْنَ زادك يا أيها الرَّائِحُ، أَيْنَ مَا حَصَّلْتَ هَلْ أَنْتَ رَابِحٌ، يَا أَسَفَى لِهَذَا النَّازِحِ، كَيْفَ حَالُهُ فِي الضَّرَائِحِ، مَنْ لَهُ إِذَا أَوْثَقَهُ الذَّابِحُ، مَنْ لَهُ إِذَا قَامَ النَّائِحُ، وَاسْتَوَى لَدَيْهِ الْعَائِبُ وَالْمَادِحُ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ فِي بُطُونِ الصَّفَائِحِ إِلا عَمَلٌ إِنْ كَانَ لَهُ صَالِحٌ، أَتُرَاهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّصِيحَ مَازِحٌ، ضَاعَتِ الْمَوَاعِظُ إِلا أَنَّ الْمَوْعُوظَ سَكْرَانُ طَافِحٌ.

يَا مَنْ قَدْ سَارَتْ بِالْمَعَاصِي أَخْبَارُهُ، يَا مَنْ قَدْ قَبُحَ إِعْلانُهُ وَإِسْرَارُهُ، يَا فَقِيرًا مِنَ الْهُدَى أَهْلَكَهُ إِعْسَارُهُ، أَتُؤْثِرُ الْخُسْرَانَ قُلْ لِي أَوْ تَخْتَارُهُ؟ يَا كَثِيرَ الذُّنُوبِ وَقَدْ دَنَا إِحْضَارُهُ، يَا أَسِيرًا فِي حَبْسِ الطَّرْدِ لا يَنْفَعُهُ إِحْضَارُهُ، نَقْدُكَ بَهْرَجٌ إِذَا حُكَّ مِعْيَارُهُ، كَمْ رُدَّ عَلَى مِثْلِكَ دِرْهَمُهُ وَدِينَارُهُ، يَا مُحْتَرِقًا بِنَارِ الْحِرْصِ حَتَّى مَتَى تَخْبُو نَارُهُ، الْمُذَكِّرُونَ بَيَنْكُمْ قَدْ أَصْبَحُوا كَالسُّمَّارِ، وَأَنْتُمْ قَدْ جَعَلْتُمُ الْمَوَاعِظَ مِثْلَ الأَسْمَارِ، وَكَأَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَكُمْ صَوْتُ مِزْمَارٍ، وَقَدْ ضَاعَتْ فِي هَذِهِ الأُمُورِ الأَعْمَارُ، فَأَيْنَ يَكُونُ لِهَذَا الْغَرْسِ إِثْمَارٌ:

(مَضَى زَمَانِي وَتَقَضَّى الْمَدَى ... فليتني وفقت هذا الزمين)

(أرزمت النار وعارضتها ... فليعجب السامع للمرزمين)

(ليت دموعي بمنى سبلت ... لِيَشْرَبَ الْحُجَّاجُ مِنْ زَمْزَمَيْنِ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت