(فصل)
يا آذان القلوب اسمعي أنا جليس من ذكرني:
وما كنتمُ تعرفون الجفا ... فَممَّنْ ترى قد تَعَلَّمْتُمُ
فيا أرباب القلوب أما فيكم من عَدِمَ لَذَّة قرب محبوبه، أما فيكم من أرضعوه من لبان وصالهم ثم فطموه، يا مفطومهم إبك وترامَ عليهم، يا سماء، أعين المحجوبين اسكبي، يا قمرية قلوب المهجورين ترنّمي واطربي، يا ألسنة المحبِّين عمّا يجن الجنان اعربي، يا أكباد المحزونين ذُوبي والهبي:
لقاؤك أنسق للمُحِبِّ وسلوانُ ... وذكرك لي راحٌ وريحُكَ ريحانُ
وأنت حياتي إنْ فقدتك لمحةً ... وأوّلُ مَفْقُودَيْنِ روح وجثمانُ
ومن عَجَبي أنّي للَحْظِكَ ناظرٌ ... وأنّ فؤادي من ورائك ملآنُ
جرى لكَ ذكر فاهتززتُ لطيبهِ ... وعند هبوب الريح ينعطفُ البانُ
ومن عجبي دمعي لبُعْدِكَ هَتّانُ ... وفي كَبدي جَمْرٌ يذيبُ ونيرانُ
وأنشدوا:
إذا ذَهَب العتابُ فليس وُدٌ ... ويبقى الودُ ما بقي العتابُ
لولا مرارة البُعد ما نال حلاوة التلاقيْ
فلولا البُعد ما حُمِدَ التداني ... ولولا البينُ ما طابَ التلاقي
(موعظة)
إخواني! تأهبوا ليومٍ تترادف فيه العَبَرات، وتعظم. الحَسَرات، فَيعضُ الظالم على يديه ويقول: يا حسرتا يوم يقول لك أين من أرضيتَ عنك بغضبي عليك، ابن آدم أين من كنتَ تَزَيَّنْتَ له وبالقبيح بارزتني، ما هذا التذلل بين يديّ وقد كنت جبّاراً عنيداَ، طالما ذُكرْتَ بموقفكَ هذا فتناسيتَ، وطالما بُصِّرْتَ بأمركَ هذا فتعاميتَ، ولم تزدد إلاّ فراراَ، يا حسرةَ العاصين، يا ذُلّ مقام المتجبرين، وا خيبة المضطرين، وا خسارة المُسرِفينْ.
أهلَ الغرام تجمَعُوا ... اليوم يومُ عتابنا
نَعَقَ الغرابُ بِبَيْننا ... فَغُرابُنا أغرى بنا
إنّ الذين نُحبُّهم ... قد وُكِّلوا بعذابنا
قوموا بنا بحياتكم ... نمشيَ إلى أحبابنا
قومٌ إذا ظفروا بنا ... جادوا بعتق رقابنا
إخواني! لو رأيتموهم في الدجى بين الخوف والرجاء، تائبهم يقول: اعفُ عنّي وأقلني عثرتي، ومتعبِّدهم يتململ:
تُريدينَ إدراكَ المعالي رَخِيصةً ... ولا بُدَّ دونَ الشَهْدِ من إبرِ النَّحْلِ