فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 796

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الكتاب: من لطائف كتب ابن الجوزي (جامع المواعظ والرقائق فيما حوته كتب ابن الجوزي من فوائد ورقائق)

المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597 هـ)

جمع وترتيب/ العاجز الفقير: عبد الرحمن القماش

(من علماء الأزهر الشريف)

[الكتاب مرقم آليا، وهو غير مطبوع]

يقول الإمام ابن الجوزي:"يا مطرودًا عن الباب، يا محرومًا من لقاء الأحباب، إذا أردت أن تعرف قدرك عند الملك، فانظر فيما يستخدمك، وبأيِّ الأعمال يشغلك، كم عند باب الملك من واقفٍ، لكن لا يدخل إلا من عني به، ما كلّ قلبٍ يصلح للقرب، ولا كلّ صدرٍ يحمل الحبّ، ما كلّ نسيم يشبه نسيم السحر".

وقال أيضا:

الدنيا مفازة فينبغي أن يكون السائق فيها العقل، فمن سلم زمام راحلته إلى طبعه وهواه، فيا عجلة تلفه - هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا - فقس عليه أمر الآخرة فافهم.

وفاته:

توفي ابن الجوزي بعد مرض دام خمسة أيام، ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء في الثالث عشر من رمضان المبارك سنة"597 هـ"في دار له قريبة من قبر معروف الكرخي بمحافظة قطفتا، في الجانب الغربي من مدينة السلام بغداد.

أجمعت المصادر على أن يوم وفاته كان يومًا مشهودًا ببغداد، إذ ارتجت قلوب الناس لنبأ وفاته، وغلقت الأسواق، ونودي للصلاة عليه في جانبي بغداد، وحملت جنازته على رؤوس الناس، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور للصلاة عليه، فصلى عليه ابنه أبو القاسم علي، وضاق الجامع على سعته بالناس، فصلى عليه مرتان، ثم حمل إلى مقبرة باب حرب، فدفن هناك بالقرب من الإمام أحمد -رحمهم الله.

قال سِبْطُ ابن الجوزي (أبو المظفر) : أوصى جدّي أن يكتب على قبره:

يا كثير العفو عمَّنْ ... كثر الذنب لديهِ

جاءك المذنب يرجُوالـ ... ـصفح عن جرم يديْهِ

أنا ضيف وجزاء الـ ... ـضيف إحسان إليْهِ

ـــــــــــــــــــــــــــ

(فصل حديث ابن الجوزي عن نفسه)

تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ.

فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرط في اكتساب العلم، ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات.

فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوى ضعفت، أو فضيلة فاتت، فيمضي زمان الكبر في حسرات.

فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال واأسفا على ما جنيت.

وإن لم يكن له إفاقة صار متأسفًا على فوات ما كان يلتذ به.

فأما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جنْيَ ما غرس ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم.

هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب.

وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر:

اهتز عند تمني وصلها طريا ... ورب أمنية أحلى من الظفر

ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه.

ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم. وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم.

فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك.

فقلت له: أيها الجاهل، تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف.

وما طالت طريق أدت إلى صديق:

جزى اللّهُ المسيرَ إليه خيرًا ... وإن ترك المطايا كالمزاد

ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو.

كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء.

فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم.

فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود.

وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يُدرَى بالعلم، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة، ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله عز وجل.

ولولا خطايا لا يخلو منها البشر، لقد كنت أخاف على نفسي من العُجب.

غير أنه عز وجل صانني، وعلمني، وأطلعني من أسرار العلم معرفته، وإيثار الخلوة به، حتى أنه لو حضر معي معروف وبشر لرأيتها رحمة.

ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيرًا مني.

وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني.

ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب لخرجت إما إلى العجب عند العمل، وإما إلى اليأس عند البطالة.

لكن رجائي في فضله قد عادل خوفي منه.

وقد يغلب الرجاء بقوة أسبابه، لأني رأيت أنه قد رباني منذ كنت طفلًا، فإن أبي مات وأنا لا أعقل، والأم لم تلتفت إلي. فركز في طبعي حب العلم.

وما زال يوقعني على المهم فالمهم، ويحملني إلى من يحملني على الأصوب، حتى قوم أمري.

وكم قد قصدني عدو فصده عني. وإذ رأيته قد نصرني وبصرني ودافع عني ووهب لي، قوى رجائي في المستقبل بما قد رأيت في الماضي.

ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس.

وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل.

ويحق لمن تلمح هذا الإنعام أن يرجو التمام.

وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي.

ولقد جلست يومًا فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من قد رق قلبه. أو دمعت عينه. فقلت لنفسي: كيف بك إن نجوا وهلكت: فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي إن قضيت علي بالعذاب غدًا فلا تعلمهم بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي، لئلا يقولوا عذب من دل عليه.

إلهي قد قيل لنبيك صلى الله عليه وسلم. أقتل ابن أبي المنافق فقال: لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. إلهي فاحفظ حسن عقائدهم فيَّ بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك.

حاشاك والله يا رب من تكدير الصافي.

لا تبر عودًا أنت ريّشته ... حاشا لباني الجود أن ينقضا

لا تعطش الزرع الذي نبته ... بصوب إنعامك قد روضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت