وقال ابن جرير الطبري إن اللّه عرّف عباده جميع ما أمرهم ونهاهم ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم بما أمروا به ونهوا عنه ، ولو كان الأمر على غير ذلك لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم ، والسحر مما نهى عباده عنه من بني آدم ، فغير منكر أن يكون اللّه تعالى علّمه الملكين اللذين سماهما"هارُوتَ وَمارُوتَ"اسمين أعجميين سريانيين وجعلهما فتنة لعباده كما أخبر عنهما بقوله"وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ"ابتلاء ومحنة"فَلا تَكْفُرْ"أي لا تتعلم السحر فتكفر إذا عملت به عملا يخالف شريعتك التي أمرك اللّه بها على لسان رسله باتباعها ، حذار حذار أيها الإنسان ، ومقاربة ما يؤدي إلى الكفر ، وإنما يقولان ذلك ليختبر اللّه عباده الذين نهاهم عن السحر وعن التفريق الملمع به إليهما بقوله جل قوله
"فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ"فيمتحض المؤمن بتركه ويجترئ الكافر على تعلمه والعمل به ، وعلى هذا فيكون الملكان فِي هذا التعليم مطيعين للّه تعالى إذ كان بإذنه ، ولا يضرهما سحر من سحر بعد نهيهما إياه عنه ، لأنهما أديا ما أمرا به ، ومما يدل على أن السحر لا تأثير له بنفسه ، قوله تعالى"وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ"وهذا نص قاطع فِي عدم تأثيره ، فلا عبرة بقول من يقول إن له تأثيرا ويخشى عليه الكفر إلا إذا تأول ، وإلا فهو كافر بلا خلاف لمخالفته كلام اللّه تعالى"وَيَتَعَلَّمُونَ"هؤلاء السحرة"ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا"أولئك اليهود ، لأن الكلام مرتبط بقوله تعالى (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) الآية 24 المارة.