فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 189

لنبيه صلى الله عليه وسلم: واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] . وقال - عليه السلام: «يكون قوم يقرءون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، يقولون قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا ومن أعلم منا؟» ، ثم التفت وقال: «أولئك منكم أيّها الأمة (1) ، أولئك هم وقود النار» . ومن هذا اشتد حذر السلف، حتى إنه صلى حذيفة مرة - رحمه الله - بقوم، فلما سلم قال: «لتلتمسنّ إماما غيري أو لتصلّنّ وحدانا، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني» . وينبغي أن يتذكر الإنسان أنه كم من مسلم نظر إلى عمر - رضي الله عنه - قبل إسلامه واستحقره، ثم كانت خاتمة عمر كما كانت، وذلك المسلم لعله ارتد بعده، فكان المتكبر من أهل النار والمتكبّر عليه من أهل الجنة. وما من عالم إلا ويتصور أن يختم له بالسوء، ويختم للجاهل بالسعادة؛ فكيف يكون الكبر مع معرفة ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه (2) فتدور به كما يدور الحمار بالرحا، فيطيف به أهل النار فيقولون: ما لك! فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه» . فأيّ عالم يسلم من ذلك فلم لا يشغله خوفه عن التكبر؟ وقد قال الله تعالى في بلعم بن باعورا وهو من أكابر العلماء: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] الآية، لأنه أخلد إلى الشهوات.

وقال بعلماء اليهود: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا [الجمعة:5] . فلينظر في الأخبار التي وردت في علماء السوء حتى يغلب خوفه كبره؛ وإنما يبقى الكبر مع هذا لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين، كالجدل واللغة وغيرهما، أو لمن اشتغل بالعلم وهو خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه.

السبب الثاني الورع والعبادة:

و لا يخلو المتعبد في باطنه عن كبر، وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب الناس ومسراتهم على كرامته. فمن آذاه ومات أو مرض يقول: قد رأيتم ما فعل الله سبحانه به. وربما يقول عند الإيذاء: سترون ما يجري عليه. وليس يدري الأحمق أن جماعة من الكفار ضربوا الأنبياء وآذوهم، ثم متّعوا في الدنيا فلم ينتقم منهم، بل ربما أسلم بعضهم فسعد في الدنيا والآخرة، فكأنه يرى نفسه أفضل من الأنبياء ومؤذيه

(1) هكذا في الأصل ولعلها تصحيف «الأئمة» .

(2) أي يخرج من بطنه أمعاؤه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت