العقل بترك كنز مكنوز، وأخذ مدرة (1) ؟ هذا لو لم يكن فيه إثم، فإن كان إثم، فقد استبدل بترك كل كنز وأخذ شعلة من النار. ومن جملة ما لا يعني حكاية الأسفار وأحوال أطعمة البلاد وعاداتهم، وأحوال الناس، وأحوال الصناعات والتجارات؛ وهو من جملة ما ترى الناس يخوضون فيه.
لعلك تريد أن تعرف تفصيل بعض هذه الآفات؛ فاعلم أن الغالب على الألسنة من جملة العشرين آفة خمسة: الكذب، والغيبة، والمماراة، والمدح، والمزاح.
الأولى الكذب:
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال العبد يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» . وقال صلى الله عليه وسلم: «ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك منه الناس، ويل له ويل له» .
وقيل: يا رسول الله، أَيزني المؤمن؟ أَيسرق المؤمن؟ قال عليه السلام: «قد يكون ذلك» ، فقيل له أَيكذب؟ فقال: «لا، إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله» .
وقال عليه السلام: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» ، وكان متكئا فقعد، وقال عليه السلام: «ألا وقول الزّور» ، وقال عليه السلام: «كل خصلة يطبع الله عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب» .
اعلم أن الكذب حرام في كل شيء، إلا لضرورة، حتى قالت امرأة لولدها الصغير تعال حتى أعطيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «و ما ذا كنت تعطينه لو جاء؟» قالت: تمرة.
قال: «أما لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة» . فليحذر الإنسان الكذب حتى في التخيّل وحديث النفس، فإن ذلك يثبت في النفس صورة معوجّة حتى تكذب الرؤيا فلا تنكشف في النوم أسرار الملكوت، والتجربة تشهد بذلك. نعم إنما يرخص في الكذب إذا كان الصدق يفضي إلى محذور آخر أشد من الكذب، فيباح كما تباح الميتة إذا أدى تركها إلى محذور أشد من أكلها، وهو فوات الرّوح. قالت أم كلثوم - رضي الله عنها: «ما
(1) مدرة: طين.