أخرى؟ بل لو جمع لك بين العقل والغنى وحرم الجاهل منهما جميعا كان ذلك أولى بالتعجب، وما تعجب العاقل منه إلا كتعجب من أعطاه الملك فرسا وأعطى غيره غلاما، ويقول: كيف يعطي الغلام لفلان ولا فرس له، ويحرمني وأنا صاحب الفرس؟ وإنما صار صاحب الفرس بعطائه، فيجعل عطاءه سببا لاستحقاق عطاء آخر، وهو عين الجهل، بل العاقل يكون أبدا تعجبه من فضل الله تعالى وجوده من حيث أعطاه العلم والعقل، ووفقه للعبادة من غير تقدم استحقاق منه، وحرم غيره ذلك وسلط عليه دواعي الفساد، واضطره إليه بصرف دواعي الخير عنه، وذلك بغير جريمة سابقة منه. وإذا شاهد ذلك تحقيقا غلب عليه الخوف، إذ قد يقول: قد أنعم الله عليّ في الدنيا من غير وسيلة، وخصّني به دون غيري، ومن يفعل مثل هذا بغير سبب، فيوشك أن يعذب ويسلب النعم أيضا بغير جناية وسبب؛ فما ذا أصنع إن كان ما أفاضه عليّ من النعم مكرا أو استدراجا بما فتحه؟ كما قال الله تعالى: {فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام:44] وكما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:182] .
قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ} [الماعون:4،5،6] وقال تعالى: {إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً ولا شُكُورًا} [الإنسان:9] ، وقال تعالى: {فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ} [الكهف:110] الآية، أراد به الإخلاص. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر» ، قيل: وما هو؟ قال - عليه السلام: «الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة، إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «استعيذوا بالله من جبّ الحزن» ، قيل: وما هو؟ قال - عليه السلام:
«واد في جهنم أعد للقرّاء المرائين» . وقد قال تعالى: «من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشّرك» . وقال - عليه السلام: «لا يقبل الله عملا فيه مقدار ذرة من الرياء» . وقال عليه السلام: «إن أدنى الرياء الشرك» . وقال عيسى - عليه السلام: «إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه