حقيقة العجب استعظام النفس وخصالها التي هي من النعم، والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم والأمن من زوالها. فإن أضاف إليه أن رأى لنفسه عند الله حقا ومكانا، سمي ذلك إدلالا؛ وفي الخبر أن صلاة المدلّ لا ترتفع فوق رأسه، وعلامة إدلاله أن يتعجب من رد دعائه، ويتعجب من استقامة حال من يؤذيه. والعجب هو سبب الكبر، ولكن الكبر يستدعي متكبّرا عليه، والعجب مقصور على الانفراد. أما من رأى نعمة الله على نفسه بعمل أو علم أو غيره وهو خائف على زواله، وفرح بنعمة الله تعالى عليه من حيث إنها من الله، فليس بمعجب، بل العجب أن يأمن وينسى الإضافة إلى المنعم.
العجب جهل محض، فعلاجه العلم المحض، فإنه إن أعجب بقوة وجمال أو أمر مما ليس يتعلق باختياره، فهو جهل أيضا، إذ ليس ذلك إليه، فينبغي أن يعجب بمن أعطاه ذلك من غير استحقاق، وينبغي أن يتفكر في زوال ذلك المخوف على القرب بأدنى مرض وضعف، وإن أعجب بعلمه وعمله وما يدخل تحت اختياره فينبغي أن يتفكر في تلك الأعمال بما ذا تيسرت له، وأنها لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة ومعرفة، وأن جميع ذلك من خلق الله عز وجل. وإذا خلق الله العضو والقدرة وسلّط الدواعي وصرّف الصوارف، كان حصول الفعل ضروريّا، وليس للمضطر أن يتعجب بما يحصل منه اضطرارا، وهو مضطر إلى اختياره، فإنه لا يفعل إن شاء، ولكن إن يشأ الله، شاء أو لم يشأ، مهما خلقت فيه المشيئة، قال الله سبحانه وتعالى: {وما تَشاؤُنَ إِلّا أَنْ يَشاءَ اللهُ} [الإنسان:30، التكوير:29] فمفتاح العمل انجزام المشيئة وانصراف الدواعي الصارفة مع كمال القدرة والأعضاء، وكل ذلك بيد الله تعالى. أ رأيت لو كان بيد ملك مفتاح خزانة فأعطاك إياه فأخذت منها أموالا. أتعجب بجوده إذا أعطاك المفتاح بغير استحقاق، أو بكمالك في أخذه وأي كمال في الأخذ بعد التمكّن؟
ومن العجائب أن يعجب العاقل بعلمه وعقله، حتى يتعجب إن أفقره الله تعالى وأغنى بعض الجهال ويقول: كيف وسّع النعمة على الجاهل وحرمني؟ فيقال له: كيف رزقك العلم والعقل وحرمهما الجاهل؟ فهذه عطية منه، أَفتجعلها سببا لاستحقاق عطية