أن يعلم أنه إن أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء، وهذا هو الغالب في منكرات ترتكبها الفقهاء؛ ومن يزعم أنه من أهل الدين فههنا يجوز السكوت، ولكن يستحب الزجر باللسان، إظهارا لشعار الدين، مهما لم يقدر على غير الزجر باللسان، ويجب ان يفارق ذلك الموضع، فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختيار؛ فمن جلس في مجلس الشرب فهو فاسق وإن لم يشرب، ومن جالس مغتابا أو لابس حرير أو آكل ربا أو حرام، فهو فاسق فليقم من موضعه.
والثاني: أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيرميها فتكسر، أو يسلب آلة الملاهي من يده ويضربها على الأرض. ولكن يعلم أنه يضرب أو يصاب بمكروه، فههنا يستحب الحسبة لقوله تعالى: {وانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ} [لقمان:17] ولا يجب إلا أن يكون المكروه الذي يصيبه له درجات كثيرة يطول النظر فيها، ذكرناها في كتاب الأمر بالمعروف من الإحياء. وعلى الجملة، فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب، أو في ماله بالاستهلاك، أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مروءته. فأما الخوف من استيحاش المنكر عليه، وخوف تعرضه له باللسان وعداوته له، أو توهم سعيه له في المستقبل بما يسوؤه أو يحول بينه وبين زيادة خير يتوقعها، فكلّ ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط الوجوب بها.
عمدة الحسبة شيئان:
أحدهما: الرفق واللطف والبداية بالوعظ على سبيل اللين لا على سبيل العنف، والترفع والإذلال بدالّة الصلاح، فإن ذلك يؤكد داعية المعصية، ويحمل العاصي على المناكرة وعلى الإيذاء. ثم إذا أذاه ولم يكن حسن الخلق غضب لنفسه، وترك الإنكار لله تعالى، واشتغل بشفاء غليله منه، فيصير عاصيا، بل ينبغي أن يكون كارها للحسبة، يودّ لو ترك المعصية بقول غيره، فإنه إذا أحب أن يكون هو المتعرض، كان ذلك لما في نفسه من دالة الاحتساب وعزته. وقال عليه السلام: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه» . ووعظ المأمون - رحمة الله عليه - واعظ