فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 189

وذلك لا بد من قطعه، فإن الجوارح كلها تؤثر أعمالها في القلب، ولكن اللسان أخص به، لأنه يؤدي عن القلب ما فيه من الصور، فتقتضي كل كلمة صورة في القلب محاكية لها، فلذلك إذا كان كاذبا حصل في القلب صورة كاذبة، واعوجّ به وجه القلب، وإذا كان في شيء من الفضول مستغنى عنه، اسودّ به وجه القلب وأظلم، حتى تنتهي كثرة الكلام إلى إماتة القلب؛ ولذلك عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر اللسان فقال: «من يتوكل لي بما بين لحييه (1) ورجليه أتوكل له بالجنة» . وسئل عن أكثر ما يدخل النار، فقال عليه السلام:

«الأجوفان: الفم والفرج» . وقال عليه السلام: «و هل يكبّ الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» . وقال: «من صمت نجا» . وقال له معاذ: أي الأعمال أفضل؟ فأخرج لسانه ووضع عليه يده، وقال: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» . وقال عليه السلام:

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» . وقال عليه السلام: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به» . ولهذا كان الصدّيق - رضي الله عنه - يضع حجرا في فيه ليمنع نفسه من الكلام.

اعلم أن للسان عشرين آفة شرحناها في كتاب آفات اللسان. ويطول ذكرها، ويكفيك العمل بآية واحدة؛ قال الله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ} [النساء:114] الآية. ومعناه أن لا تتكلم فيما لا يعنيك، وتقتصر على المهم، ففيه النجاة. قال أنس - رضي الله عنه: استشهد غلام منا يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئا لك الجنة يا بنيّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «و ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره» . وحدّ ما لا يعني هو الذي لو ترك لم يفت به ثواب، ولم تنتجز به ضرورة. ومن اقتصر من الكلام على هذا قلّ كلامه، فليحاسب العبد نفسه عند ذكره ما لا يعنيه؛ إنه لو ذكر الله تعالى بدلا عن تلك الكلمة، لكان ذلك كنزا من كنوز السعادة، فكيف يسمح

(1) اللحيان: منبت اللحية، أو عظم الحنك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت