قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» ، وقال عليه السلام: «ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد، وسأحدثكم بالمخرج من ذلك، إذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ» . وقال عليه السلام: «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضة هي الحالقة (1) » .
وقال زكريا عليه السلام: قال الله تعالى: «الحاسد عدو لنعمي، مسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي» .
واعلم أن الحسد حرام، وهو أن تحب زوال النعمة من غيرك، أو تحب نزول مصيبة به، ولا تحرّم المنافسة، وهي أن تغبط وتشتهي لنفسك مثله، ولا تحب زوالها منه. ويجوز أن تحب زوال النعمة ممن يستعين بها على الظلم والمعصية، لأنك لا نريد زوال النعمة، وإنما تريد زوال الظلم؛ وعلامته أنه لو ترك الظلم والمعصية لم تحب زوال نعمته. وسبب الحسد إما الكبر، وإما العداوة، وإما خبث النفس، إذ يبخل بنعمة الله على عباده من غير غرض فيه له.
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلب، ومرض القلب لا يداوى إلا بمعجون العلم والعمل:
فأما العلاج العلمي: فهو أن يعلم أن حسده يضره ولا يضر محسوده بل ينفعه؛ أمّا أنه يضره، فهو أنه يبطل حسناته، ويعرضه لسخط الله تعالى، إذ يسخط قضاء الله ويشح بنعمته التي وسعها من خزائنه على عباده، وهذا ضرر في دينه. وأما ضرره في دنياه، فهو أنه لا يزال في غم دائم وكمد لازم: وذلك مراد عدوه منه، فإن أهم أغراض عدوه وأكمل النعمة عليه، حزن حاسده، فقد كان يريد المحنة لعدوه فحصلت له. والحسود لا يخلو قط من الغم والمحنة؛ إذ لا يزال أعداؤه أو واحد منهم في نعمة. وأمّا أنّه ينفع عدوه ولا يضره؛ لأن النعمة لا تزول بحسده، وأنه يضاعف حسناته؛ إذ تنتقل حسنات الحاسد
(1) الحالقة: المميتة، ومن معانيها السنة الشديدة التي تحلق كل شيء.