فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 189

القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر، ولو لا خصلة كان كالشمس الضاحية؛ كان إذا جاء الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه».

الفن الثالث: في مباشرة الأسباب الدافعة، كالفرار من السبع، ومن الجدار المائل، ومجرى السيل، ودفع الأمراض بالأدوية. وذلك أيضا له درجات؛ فاستنبطها بالقياس إلى ما ذكرناه وقد فسرناه في الإحياء.

اعلم أن ترك الادخار محمود لمن غلب يقينه، وقوي قلبه. وأما الضعيف الذي يضطرب قلبه لو لم يدخر لم يتفرغ للعبادة، فالأفضل له أن يدع طريق المتوكلين. ولا يحمّل نفسه ما لا يطيقه، إذ فساد ذلك في حقه أكثر من صلاحه، بل يعالج كل واحد على حسب حاله وقوته. وقد تنتهي القوة إلى أن يجوز السفر في البوادي من غير زاد، وذلك لمن يصبر عن الطعام أسبوعا، ويقنع بالحشيش؛ فإن ذلك لا يعوزه غالبا في البادية. فأما الضعيف إذا فعل ذلك فهو عاص ملق نفسه في التهلكة. والقويّ إن حبس نفسه في كهف جبل ليس فيه حشيش ولا يجتاز به إنسان، فذلك أيضا حرام؛ لأنه خالف سنّة الله تعالى في خلقه؛ وإنما جاز له ذلك في البوادي، لأن سنّة الله جارية بأنها لا تخلو عن الحشيش، وقد يجتاز بها الآدميون، فإذا قوي كان هلاكه نادرا، فلم يكن بذلك عاصيا، فله أن يسافر في البادية متّكلا على لطيف صنع الله تعالى، وغير قاصر التفاته على الأسباب الجليّة الواضحة.

قال الله تعالى: {يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] ، وقال: {قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ} ... [التوبة:24] الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» . وقال عليه السلام: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني لحب الله عز وجل» . وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - «من ذاق خالص محبة الله عز وجل منعه ذلك من طلب الدنيا، وأوحشه من جميع البشر» . وقال الحسن البصريّ - رحمة الله عليه - من عرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت