غالبا ظاهرا يوثق به، أو موهوم. أما المقطوع به فمثاله أن لا تمتد اليد إلى الطعام وهو جائع، ويقول هذا سعي، وأنا متوكل، أو يريد الولد ولا يواقع أهله، أو يريد الزرع، ولا يبث البذر. وهذا جهل؛ لأن سنّة الله تعالى لا تتغير، وقد عرفك أن ارتباط هذه المسببات بهذه الأسباب من السنّة التي لا تجد لها تبديلا. وإنما التوكل فيه بأمرين: أحدهما، أن تعلم أن اليد والطعام والبذر وقدرة التناول وجميع ذلك من قدرة الله تعالى. والثاني، أن لا يتكل عليها بقلبه بل على خالقها، وكيف يتكل على اليد! وربما يفلج في الحال أو يهلك الطعام، وذلك تحقيق قولك «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، فالحول هي الحركة، والقوة هي القدرة. فإذا كان هذا حالك، فأنت متوكل وإن سعيت. وأما المظنون فكاستصحاب الزاد في البوادي والأسفار، فليس تركه شرطا في التوكل، بل هي سنّة الأوّلين، بل يكون الاعتماد على فضل الله تعالى بدفع السّراق وإبقاء الزاد والحياة، والقدرة على التناول. وأما الموهومات، فكالاستقصاء في حيل المعيشة، واستنباط دقائق الأمور فيها؛ وذلك ثمرة الحرص، وقد يحمل على أخذ الشبهة. فكل ذلك يناقض التوكل، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المتوكلين بأنهم لا يكتنون ولا يسترقون، ولم يصفهم بأنهم لا يسكنون الأمصار، ولا يكتسبون، فما نسبته إلى السبب، كنسبة الرّقية والكي فتركهما من شروط التوكل.
الفن الثاني: من تدبير الأسباب الادخار. فالمتوكل إذا ورث مالا وادخر لسنة فما فوقه أبطل توكله، وإن قنع بقوت يومه وفرق الباقي فهو تمام التوكل، وإن ادخر لأربعين يوما، قال سهل التستري: بطل توكله، ولا ينال المقام المحمود الذي وعد للمتوكلين؛ وقال الخواص: لا يبطل. واتفقوا على أن الزيادة عليه يبطل التوكل إلا إذا كان معيلا، فله أن يدخر قوت عياله لسنة، كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق عياله وفي حق نفسه؛ كان لا يدخر من غدائه لعشائه. ولا شك أن طول الأمل يناقض التوكل، ومهما قلّت مدة الادخار كانت الرتبة أعظم؛ ولكن سنّة الله تعالى جارية بتكرر الأرزاق عند تكرار السنة. فالادخار لأكثر من سنة غاية الضعف وليس من التوكل في شيء.
فأما ادخار الكوز وأثاث البيت فذلك جائز، لأن سنة الله تعالى لم تجر بتكررها كتكرر الأرزاق، ويحتاج إليها في كل وقت، وليس كثوب الشتاء، فإنه لا يحتاج إليه في الصيف، وادخاره على خلاف التوكل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في فقير دفن: «إنه يحشر يوم