والصدق الرابع: الوفاء بالعزم؛ فإن النفس قد تسخو بالعزم أوّلا، ولكن عند الوفاء ربما تتوانى عن كمال التحقيق؛ لأن المئونة في العزم هيّن، وإنما الشدة في التحقيق، ولذلك قال تعالى: {رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب:23] ، وقال: {ومِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... } [التوبة:75] إلى قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة:77] .
الصدق الخامس: في الأعمال؛ بأن يكون بحيث لا يدل على شيء من الباطن إلا والباطن متصف به. ومعناه استواء السريرة والعلانية فالماشي على هدوء يدل بحكمه على أنه ذو وقار في باطنه، فإن لم يكن كذلك في الباطن والتفت قلبه إلى أن يخيّل إلى الناس أنه ذو وقار في باطنه فذلك الرياء. وإن لم يلتفت إلى الخلق قلبه، ولكنه غافل، فليس ذلك برياء، ولكن يفوت به الصدق؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي، واجعل لي علانية صالحة» . وقال عبد الواحد: كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به، وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أرقط أحدا أشبه سريرته بعلانيته منه.
الصدق السادس: - وهو أعلى أبوابه - الصدق في مقامات الدين؛ كالخوف والرجاء والحب والرضاء والتوكل وغيرها، فإن لهذه المقامات أوائل ينطلق الاسم بها، ولها حقائق وغايات؛ إذ يقال هذا هو الخوف الصادق، وهي الشهوة الصادقة، ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ... } إلى قوله: {أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} [الحجرات:15] ، وقال تعالى: {ولكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ ... } إلى قوله: {أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ... } [البقرة:177] الآية. فهذه درجات الصدق، فمن تحقق في جميعها فهو صدّيق، ومن لم يصب بعضها فمرتبته بقدر صدقه. ومن جملة الصدق تحقيق القلب بأن الله هو الرزّاق والتوكل عليه! فلنذكره.
قال الله تعالى: {وعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم:12] ، وقال الله تعالى: {وعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23] . وقال: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ