عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ... [الأحزاب:23] الآية. وقال النبي عليه السلام: «إن الرجل ليصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا» . وقال الله تعالى: {واُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم:41] . ويكفي بفضيلة الصدق أن يدرك به فضيلة الصّدّيقين.
واعلم أن للصدق مراتب ستّا من بلغ في جميعها رتبة الكمال استحق اسم الصّدق:
أولها: الصدق في القول في جميع الأحوال، ما يتعلق بالماضي والمستقبل والحال. ولهذا الصدق كمالان: أحدهما: الحذر عن المعاريض أيضا، فإنه وإن كان صدقا في نفسه، فيفهم خلاف الحق. والمحذور من الكذب تفهيم خلاف الحقّ، إذ يكتسب القلب صورة معوجّة كاذبة بإزاء كذب اللسان، وإذا مال وجه القلب من الصحة إلى الاعوجاج لم يتجلّ الحق له على الصحة حتى لا يصدق رؤياه أيضا. والمعاريض لا توقع في هذا المحذور لأنه صدق في نفسه، لكن توقع في المحذور، الثاني: وهو تجهيل المعنى، فلا ينبغي أن يفعل ذلك إلا لغرض صحيح. وكمال الثاني، أن يرعى الصدق في أقاويله مع الله تعالى، فإذا قال: «وجّهت وجهي» ، وفي قلبه في تلك الحالة شيء سوى الله عز وجل، فهو كاذب، وإذا قال: «إياك نعبد» ، وهو مع ذلك عبد للدنيا أو لنفسه أو لغيره لم يمكنه تحقيق صدق هذه الكلمة في القيامة؛ ولذلك قال عيسى - عليه السلام - يا عبيد الدنيا. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدرهم والدينار» .
الصدق الثاني: في النية؛ وهو أن يتمحض فيه داعية الخير، فإن كان فيه شوب فقد فات الصدق لله؛ يقال هذا صادق الحموضة، وصادق الحلاوة، إذا كان محضا، فيرجع هذا إلى نفس الإخلاص.
والصدق الثالث: في العزم؛ فإن العبد قد يعزم على التصدّق إن رزق مالا، وعلى العدل إن رزق ولاية، وعزمه تارة يكون مع ضعف وتردد، وتارة يكون جزما قويّا لا تردد فيه. فالجزم القويّ يسمى قويّا صادقا، كما وجده عمر من نفسه - رضي الله عنه - حيث قال: لأن أقدّم فيضرب عنقي أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر - رضي الله عنه -. ودرجات عزم الصديقين في القوة قد تتفاوت، وأقصاها أن ينتهي إلى الرضاء بضرب الرقبة دون الحقيقة.