الله تعالى أحبّه، ومن عرف الدنيا زهد فيها. والمؤمن لا يلهو حتى يغفل، وإذا تفكر حزن.
اعلم أن أكثر المتكلمين أنكروا محبّة الله تعالى وأوّلوها، وقالوا: لا معنى لها إلا لامتثال أوامره، وإلا فما لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، ولا يناسب طباعنا، فكيف نحبه؟ وإنما يتصور منّا أن نحب من هو من جنسنا، وهؤلاء محرومون بجهلهم بحقائق الأمور. وقد كشف الغطاء عن هذا في كتاب المحبة من كتب الإحياء فطالعها لتصادف منها أسرارا تخلو الكتب عنها. فاقنع في هذا المختصر بتلويحات وإشارات.
اعلم أن كلّ لذيذ محبوب، ومعنى كونه محبوبا ميل النفس إليه، فإن قوي الميل سمّي عشقا، ومعنى كونه مبغوضا نفرة النفس عنه لكونه مؤلما. فإن قوي البغض والنّفرة سمي مقتا. واعلم أن الأشياء التي تدركها بحواسك وجميع مشاعرك، إما أن تكون موافقة لك ملائمة، وهو اللذيذ، أو تكون منافية مخالفة، وهو المؤلم. أو لا موافقة ولا مخالفة، وهو الذي لا ألم فيها ولا لذة. وكل لذيذ محبوب، أي للنفس الملتذة به ميل لا محالة إليه. واعلم أن اللذة تتبع الإدراك، والإدراك إدراكان: ظاهر وباطن. أمّا الظاهر فبالحواس الخمس، فلا جرم لذة العين في الصور الجميلة، ولذة الأذن في النغمات الموزونة الطيبة، ولذة الذوق والشم في الطعوم والروائح الملائمة الموافقة، ولذة جملة البدن في ملابسة الناعم اللين، وجملة ذلك محبوبة للنفس، أي للنفس ميل إليها. وأما الإدراك الباطن، فهو اللطيفة التي محلها القلب، تارة يعبر عنها بالعقل، وتارة بالنور، وتارة بالحس السادس. ولا تنظر إلى العبارات فتغلط، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة» . فتعلم أن الطيب والنساء فيهما حظ الشم واللمس والبصر، والصلاة لا حظ فيها للحواس الخمس، بل للإدراك السادس الذي محله القلب، ولا يدركها من لا قلب له، وأن الله يحول بين المرء وقلبه. ومن اقتصر من لذته على الحواس الخمس فهو بهيمة، لأن البهيمة تشاركه فيها؛ وإنما