لك مال؟» قال: نعم، قال عليه السلام: «قدّم مالك، فإن قلب الرجل مع ماله، فإن قدمه أحب أن يلحقه، وإن أخره أحب أن يتخلف» . وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات العبد قالت الملائكة: ما قدّم؟ وقال الناس: ما خلّف؟» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «تعس (1) عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» (2) .
اعلم أن المال ليس مذموما من كل وجه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا مزرعة الآخرة» . وكيف يكون مذموما مطلقا والعبد مسافر إلى الله تعالى، والدنيا منزل من منازل سفره، وبدنه مركبه، ولا يمكنه السفر إلى الله إلا به، ولا يبقى البدن إلا بمطعم وملبس، ولا وصول إليهما إلا بالمال؟ لكن من فهم فائدة المال وعلم أنه آلة علف الدابة لسلوك الطريق، لم يعرّج عليه، ولم يأخذ منه إلا قدر الزاد، فإن اقتصر على ذلك سعد به كما قال النبي عليه السلام لعائشة - رضي الله عنها: «إذا أردت اللحاق بي فاقنعي من الدنيا بزاد الراكب، ولا تجددي ولا تخلعي قميصا حتى ترقعيه» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا، وإن زاد على قدر الكفاية هلك» . كما قال عليه الصلاة والسلام:
«من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ حتفه وهلك وهو لا يشعر» . وكذلك المسافر، إذا أخذ ما يزيد على زاد الطريق مات تحت ثقله، ولم يبلغ مقصد سفره. فالزيادة على قدر الكفاية مهلكة من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يدعو إلى المعاصي، فإنه يمكن منها ومن العصمة أن لا تقدر، وفتنة السرّاء (3) أعظم من فتنة الضراء (4) ، والصبر مع القدرة أشد.
(1) تعس بفتح العين أي سقط على وجهه. وفي الدعاء تعسا له وتعس وانتكس؛ فالتعس أن يخذل وجهه، والنكس أن لا يستقل بعد سقطته.
(2) أي إذا وصل شوك في عضوه فلا انتقش على بناء المبني للمفعول، دعاء عليه بعدم إخراجه بالمنقاش، يعني إذا وقع في البلاء فلا يترحم عليه. وإنما خص انتقاش الشوك بالذكر لأن الانتقاش أسهل ما يتصور في المعاونة لمن أصابه مكروه، وإذا نفي ذلك الاهون فما فوقه بالطريق الأولى.
(3) السراء: الرخاء.
(4) الضراء: الشدة.