فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 189

والثاني: أن يدعو إلى التنعم بالمباحات، وهو أقل الدرجات، فينبت على التنعم جسده، ولا يمكنه الصبر عنه. وذلك لا يمكن استدامته إلا بالاستعانة بالخلق والالتجاء إلى الظلمة، وذلك يدعو إلى النفاق والكذب والرياء والعداوة والبغضاء، ويتشعب منه جملة المهلكات؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .

و الثالث: أن يلهى عن ذكر الله عز وجل الذي هو أساس السعادة الأخروية، إذ يزدحم على القلب خصومة الملاحين، ومحاسبة الشركاء والتفكر في تدبير الحذر منهم، وتدبير استنماء المال وكيفية تحصيله أولا، وحفظه ثانيا، وإخراجه ثالثا؛ وكل ذلك مما يسوّد القلب، ويزيل صفاءه ويلهي عن الذكر، كما قال الله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ إلى آخر السورة.

لعلك تشتهي أن تعرف مقدار الكفاية وتقول: ما من غني إلا ويدّعي أن ما في يده دون مقدار الكفاية. فاعلم أن الضرورة إنما تدعو إلى المطعم والملبس فقط، فإن تركت التجمل في الملبس، فيكفيك في السنة ديناران لشتائك وصيفك، فتتخذ بهما ثوبا خشنا يدفع عنك الحرّ والبرد؛ وإن تركت التنعم في مطعمك والشبع من الطعام في جميع أحوالك، فيكفيك في كل يوم مدّ، فيكون في السنة خمسمائة رطل، ويكفيك لإدامك - إن لم توسّع فيه واقتصرت على اليسير منه في بعض الأوقات - ثلاثة دنانير على التقريب في السنة، عند رخاء الأسعار. فإذا يبلغ كفايتك خمسة دنانير وخمسمائة رطل، وهو القدر الذي نقدره إذا فرضنا نفقة العزب. فإن كنت معيلا فخذ لكل واحد منهم مثل ذلك؛ فإذا كنت كسوبا وكسبت في اليوم ما يكفيك ليومك، فانصرف واشتغل بعبادتك، فإن طلبت الزيادة صرت من أهل الدنيا. وإن لم تكن كسوبا وكنت مشغولا بالعلم والعبادة، واقتنيت ضيعة يدخل منها هذا القدر دائما، فأرجو أن لا تصير بذلك من أهل الدنيا، لا سيما في هذه الأعصار (1) ، وقد تغيرت القلوب، واستولى عليها الشحّ، وانصرفت الهمم عن تفقد ذوي الحاجات. فاقتناء هذا القدر أولى من السؤال؛ وهذا بشرط أن يكون بودّك أن تتخلص من التعرض إلى الجوع والبرد، لتطرح الضيعة وتتركها،

(1) الأعصار: جمع عصر، وهو الدهر والزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت