اعلم أنا قد نبهناك وشوقناك، فإن أعرضت عن الإصغاء أو أصغيت بظاهر قلبك، كما تصغي إلى الكلام الرسمي، فقد خبت وخسرت، وما ظلمت إلا نفسك: {ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، وإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:
57]، وإن أصغيت إصغاء ذي فطنة وبصر حديد، وتفكرت تفكر من له قلب عتيد، وقد ألقى السمع وهو شهيد، فاخرج عن جميع ما يصدّك عن سلوك الصراط المستقيم، وما يصدّ عنها إلا حب الدنيا والغفلة عن الله تعالى واليوم الآخر. واجتهد أن تفرغ قلبك كلّ يوم ساعة عقيب صلاة الصبح، وذلك عند صفاء الذهن؛ فتتفكر في شأنك وتنظر في مبدئك ومعادك، وتحاسب نفسك، وتقول لها: إني مسافر وتاجر، وربحي سعادة الأبد ولقاء الله تعالى، وخسراني شقاوة الأبد والحجاب عن الله تعالى، ورأس مالي عمري. وكل نفس من الأنفاس كنز من الكنوز، وجوهرة من الجواهر، إذ تجارته به سعادة الأبد، وأي كنز أعظم من هذا! وإذا فني العمر انقطعت التجارة وحصل اليأس. وهذا اليوم يوم جديد قد أمهلني الله تعالى فيه، ولو توفاني لكنت اشتهي أن يرجعني إلى الدنيا لأعمل صالحا، فاحسبي يا نفسي أنك توفيت ورجعت إلى الدنيا يوما واحدا، واجتهدي في هذا اليوم الواحد، وانظري لنفسك، فإن لم تمهلي للغد فقد استوفيت ربح هذا اليوم ولم تتحسّري، وإن أمهلت فاستأنفي للغد مثل ذلك ولا تخدعي نفسك بتمني العفو، فإن ذلك ظن قد يكذب ولا ينفع التحسّر.
ثم هب أنه قد عفي عنك، أليس قد فاتك ثواب المحسنين؟ وناهيك به حسرة