فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 189

ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، وإن كان لا محالة فثلاث لطعامه وثلاث لشرابه وثلاث لنفسه»، وقال عليه السلام: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاري الشيطان بالجوع والعطش» ، وقال عليه السلام لعائشة - رضي الله عنها: «أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم» ، قالت: كيف نديم؟ قال عليه السلام: «بالجوع والظمأ» . وقال عليه السلام: «كلوا واشربوا في أنصاف البطون، فإنه جزء من النبوة» .

لعلك تشتهي أن تعلم السر في تعظيم الجوع ومناسبته لطريق الآخرة. فاعلم أن له فوائد كثيرة، ولكن يرجع أصولها إلى سبع:

إحداها: صفاء القلب ونفاذ البصيرة، فإن الشّبع يورث البلادة ويعمي القلب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه» . ولا يخفى أن مفتاح السعادة المعرفة، ولا تنال إلا بصفاء القلب، فلذلك كان الجوع قرع باب الجنة.

الثانية: رقة القلب؛ حتى يدرك به لذة المناجاة، ويتأثر بالذكر والعبادة؛ وقال الجنيد: «يجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة» . ولا يخفى عليك أن أحوال القلب من الخشية والخوف والرقة والمناجاة والانكسار بالهيبة، من مفاتيح أبواب الجنة، وإن كان باب المعرفة فوقه، والجوع قرع لهذا الباب.

الثالثة: ذل النفس وزوال البطر والطغيان منها؛ فلا تكسر النفس بشيء كالجوع.

والطغيان داع إلى الغفلة عن الله تعالى، وهو باب الجحيم والشقاوة؛ والجوع إغلاق لهذا الباب. وفي إغلاق باب الشقاوة فتح باب السعادة؛ ولذلك لمّا عرضت الدنيا عليه صلى الله عليه وسلم قال: «لا بل أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت صبرت وتضرعت، وإذا شبعت شكرت» .

الرابعة: أن البلاء (1) من أبواب الجنة، لأن فيه مشاهدة طعم العذاب، وبه يعظم الخوف من عذاب الآخرة، ولا يقدر الإنسان على أن يعذّب نفسه بشيء كالجوع، فإنه لا

(1) البلاء: الاختبار، ويكون بالخير والشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت