نفسه الحب في الله، والبغض في الله بهذه الأسباب فهو ضعيف الإيمان، وهذا له تفصيل وتحقيق، فاطلبه من كتاب الصحبة والأخوة في الله تعالى.
قال الله تعالى: {ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران:104] الآية. وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} [التوبة:71] الآية. وقال تعالى:
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:79] . وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته: «أيّها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتتأوّلونها على خلاف تأويلها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده» . وقالت عائشة - رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عذّب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا، أعمالهم أعمال الأنبياء» . قالوا: يا رسول الله كيف ذلك؟ قال: «لم يكونوا يغضبون لله عز وجل، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر» .
كل من شاهد منكرا ولم ينكره وسكت عنه، فهو شريك فيه؛ فالمستمع شريك المغتاب. ويجري هذا في جميع المعاصي، حتى في مجالسة من يلبس الديباج، ويتختم بالذهب، ويجلس على الحرير، والجلوس في دار أو في حمّام على حيطانها صور أو فيها أوان من ذهب أو فضة، أو الجلوس في مسجد يسيء الناس الصلاة فيه، فلا يتمون الركوع والسجود والجلوس، أو في مجلس وعظ يجري فيه ذكر البدعة، أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الإيذاء والإيحاش بالسّفه والشتم. وبالجملة، من خالط الناس كثرت معاصيه، وإن كان تقيّا في نفسه، إلا أن يترك المداهنة ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويشتغل بالحسبة (1) والمنع. وإنما يسقط عنه الوجوب بأمرين: أحدهما:
(1) الحسبة: منصب كان يتولاه في الدول الإسلامية رئيس يشرف على الشئون العامة، من مراقبة الأسعار ورعاية الآداب. والمقصود هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.