فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 189

لبعض أنبيائه: «أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت الراحة، وأما انقطاعك إليّ فقد تعززت بي، فهل واليت فيّ وليا، وهل عاديت فيّ عدوّا؟» . وقال صلى الله عليه وسلم: يقول الله يوم القيامة: «أين المتحابون لجلالي، اليوم أظلهم في ظلي ولا ظل إلا ظلي» . وأوحى الله سبحانه إلى عيسى - عليه السلام: «لو أنك عبدتني بعبادة أهل السّماوات والأرض، وحب في الله ليس (1) ، وبغض في الله ليس، ما أغنى عنك ذلك شيئا» . وقال صلى الله عليه وسلم: «إن حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور، ووجوههم نور، وليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء» . فقالوا يا رسول الله حلّهم (2) لنا من هم؟ فقال:

«المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتزاورون في الله عز وجل» .

واعلم أن كل حب لا يتصور دون الإيمان بالله واليوم الآخر، فهو حب في الله، ولكنه على درجتين: إحداهما: أن تحبه لتنال منه في الدنيا نصيبا يوصلك إلى الآخرة، كحبك أستاذك وشيخك، بل تلميذك الذي ينمو علمك بتعليمه، بل خادمك الذي يفرغ قلبك عن كنس بيتك وغسل ثوبك، لتتفرغ بسببه لطاعة الله تعالى، بل المنفق عليك من ماله، إذا كان غرضك من ذلك إفراغ القلب لعبادة الله تبارك وتعالى. الثانية: وهي أعلى، أن تحبه لأنه محبوب عند الله عز وجل ويحب الله، وإن لم يتعلق غرض به لك في الدنيا والآخرة، من علم أو معونة على دين أو غيره؛ وهذا أكمل، لأن الحب إذا غلب تعدّى إلى كلّ من هو من المحبوب بسبب، حتى يحب الإنسان محب محبوبه، ومحبوب محبوبه، بل يميز بين الكلب الذي هو في سكة محبوبه، وبين سائر الكلاب. وإنما سراية (3) الحب بقدر غلبة الحب، ومن أحب لقاء الله لم يمكنه أن لا يحبّ عباده الصالحين المرضيّين عنهم. إلا أن ذلك قد يقوى حتى يحمل على أن يسلك بهم مسلك نفسه، بل يؤثرهم على نفسه، وقد يقصّر عن ذلك، وفضلهم عنده ينقسم بقدر درجته وقوته. وكذلك يبغض لا محالة من يعصيه، ويخالف أمره، ويظهر أثر ذلك في مجانبته ومهاجرته له، وتقطيبه الوجه عند مشاهدته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا تجعل لفاجر عليّ يدا فيحبه قلبي» حذرا من أن يقدح ذلك في البغض في الله. وبالجملة من لا يصادف من

(1) ليس: استعملت هنا بمعنى الاستثناء.

(2) حلهم: بيّنهم واذكرهم.

(3) سراية: مصدر سرى سريانا وسراية أي دب وجرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت