التوحيد الحقيقي. وقولك: «الله أكبر» ، فليس المعني به أنه أكبر من غيره، إذ ليس معه - سبحانه - غيره حتى يقال أكبر منه، بل كل ما سواه فهو نور من أنوار قدرته. وليس لنور الشمس مع الشمس رتبة المعيّة، حتى يقال إنها أكبر منه؛ بل رتبة التبعية؛ بل معناه أنه - عز وجل - أكبر من أن ينال بالحواس، أو يدرك جلاله بالعقل والقياس، بل أكبر من أن بدرك كنه جلاله غيره، بل أكبر من أن يعرفه غيره، فإنه لا يعرف الله - تبارك وتعالى - إلا الله، فإن منتهى معرفة عباده، أن يعرفوا أنه يستحيل منهم معرفته الحقيقة. ولا يعرف ذلك أيضا بكماله إلا نبي أو صدّيق، أما النبيّ، فيعبر عنه ويقول: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ، وأما الصّديق فيقول: «العجز عن درك الإدراك إدراك» .
فإن تشوّقت إلى زيادة تحقيق في هذا المعنى واستنكرت قولي: «لا يعرف الله إلا الله» فاطلب معرفة حقيقته بالبرهان من كتاب المقصد الأقصى في معاني أسماء الله الحسنى، ويكفيك الآن هذا القدر من الرموز إلى أسرار الذكر، وفضل الأذكار منها.
قال الله سبحانه وتعالى: {كُلُوْا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوْا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] . والحرام خبيث وليس بطيب، فقد قرن - عز وجل - أكل الطيبات بالعبادات، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة» ، أي بعد فريضة الإيمان والصلاة. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أكل الحلال أربعين يوما نوّر الله قلبه، وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» ، وفي رواية أخرى «زهّده الله في الدنيا» . وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله ملكا على بيت المقدس، ينادي كل ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل» ؛ فالصّرف النافلة والعدل الفريضة. وقال صلى الله عليه وسلم: «من اشترى ثوبا بعشرة دراهم، وفي ثمنه درهم حرام، لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء» . وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنه: «لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز» وقيل: العبادة مع أكل الحرام كالبنيان على السّرقين (1) .
(1) السرقين: بكسر السين وفتحها الزبل والكلمة فارسية.