الأصل الأوّل في الذات:
فنقول: الحمد لله الذي تعرف إلى عباده بكتابه المنزل، على لسان نبيه المرسل، بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، متوحد لا ند له؛ وأنه قديم لا أوّل له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبديّ لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له؛ لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال، وبتصرم الآماد وانقضاء الآجال؛ بل هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم.
وأنه ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض؛ بل لا يماثل موجودا، ولا يماثله موجود، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء، وأنه لا يحده المقدار، ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه السموات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزّها عن المماسّة والاستقرار، والتمكن والتحول والانتقال؛ لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته؛ وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات على العرش، كما أنه رفيع الدرجات على الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا يماثل ذاته ذات الأجسام؛ وأنه لا يحل في شيء، ولا يحل فيه شيء؛