لكيلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه، فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق». ولهذا قال عمر - رضي الله عنه - لرجل طأطأ رقبته: «يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك؛ ليس الخشوع في الرقاب، وإنما الخشوع في القلوب» . وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غاوي، يا فاجر، يا خاسر، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا» . وقال قتادة - رحمة الله عليه: إذا راءى العبد يقول الله تعالى: «انظروا كيف يستهزئ بي» . وقال الحسن - رحمه الله عليه: «صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها نفعته ونفعت أصحابه، وما يمنعه منها إلا الشهرة» .
حقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير. وما يراءى به ستة أصناف:
الأول: الرياء من جهة البدن: وهو إظهار النحول والصغار ليظنّ به السهر والصيام، وإظهار الحزن ليظن به أنه شديد الاهتمام بأمر الدين، وإظهار شعث الشعر ليظن به أنه لشدة استغراقه بالدين ليس يتفرّغ لنفسه، وإظهار ذبول (1) الشفتين ليستدل به على صومه، وخفض الصوت ليستدل به على ضعفه من شدة المجاهدة.
الثاني: الرياء بالهيئة: كحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وتغميض العينين ليظن به أنه في الوجد والمكاشفة أو غائص في الفكر.
الثالث: الرياء في الثياب: كلبس الصوف والثوب الخشن وتقصيره إلى قريب من الساق، وتقصير الكمين وترك الثوب مخرّقا ووسخا، ليظنّ أنه مستغرق الوقت عن الفراغ له، ولبس المرقّعة والسجادة، ليظنّ أنه من الصوفية مع إفلاسه عن حقائق التصوف، ولبس الدّراعة والطيلسان (2) ، وتوسيع الأكمام ليظن أنه عالم، والتقنّع فوق
(1) ذبل الشيء ذبولا ذهبت ندوته. والذبلاء: اليابسة الشفة.
(2) الدراعة: القميص. والطيلسان، فارسي معرب: لباس العجم.