العمامة بإزار، ولبس الجوارب ليظنّ أنه متقشف لشدة ورعه من غبار الطريق. ثم منهم من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح، فيلازم الثوب الخلق، ولو لبس ثوبا جديدا لكان عنده كالذبح، إذ يخاف أن يقول الناس قد بدا له من الزهد. ومنهم من يطلب المنزلة من السلاطين والتجار، ولو لبس خلقان الثياب لازدروه، ولو لبس فاخر الثياب لم يعتقدوا زهده، فيطلب المرقعة المصبوغة والفوطة الرقيقة، والأصواف الرفيعة، فتكون ثيابهم في القيمة والنفاسة كثياب الأغنياء، وفي اللون والهيئة كثياب الصلحاء، ولو كلّفوا أن يلبسوا الخلق لكان عندهم كالذبح خيفة عن السقوط من أعين الأغنياء، ولو كلّفوا لبس الخزّ والقصبيّ والديبقي وما يباح لبسه، قيمته دون قيمة ثيابهم، لاشتد عليهم خوفا عن سقوط منزلتهم عن القلوب الصلحاء، إذ يقولون: بدا له من الزهد.
الرابع: الرياء بالقول: كرياء أهل الوعظ والتذكير، وتحسين الألفاظ وتسجيعها، والنطق بالحكمة، والأخبار، وكلام السلف، مع ترقيق الصوت وإظهار الحزن، مع الخلوّ عن حقيقة الصدق والإخلاص في الباطن، بل ليظنّ به ذلك، وكادّعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ والمبادرة إلى الحديث أنه صحيح أو سقيم، ليظن به غزارة العلم. وكتحريك الشفتين بالذّكر، والأمر بالمعروف بمشهد الناس مع خلوّ القلب عن التفجع بالمعصية. وكإظهار الغضب عن المنكرات والأسف عن المعاصي مع خلوّ القلب عن التألم به.
الخامس: الرياء بالعمل: كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود، وإطراق الرأس، وقلة الالتفات، والتصدّق، والصوم، والحج، والإخبات (1) في المشي مع إرخاء الجفون، مع أن الله تعالى عالم أن باطنه لو كان خاليا لما فعل شيئا من ذلك، بل تساهل في الصلاة وتسرّع في المشي، وقد يفعل ذلك في المشي (2) ، فإذا شعر باطلاع غيره عليه عاد إلى السكينة كي يظن به الخشوع.
السادس: الرياء بكثرة التلامذة والأصحاب وكثرة ذكر الشيوخ: ليظن أنه لقي شيوخا كثيرة، وكمن يحب أن يزوره العلماء والسلاطين ليقال إنه ممن يتبرّك به.
(1) الإخبات: الإبطاء والتخشع، وهنا بمعنى التمكن.
(2) أي يتسرع.