فهذه مجامع ما يراءى به في الدين؛ وكل ذلك حرام، بل هو من الكبائر. وأما طلب المنزلة في قلوب الناس بأفعال ليست من العبادات وأعمال الدين فليست بحرام، ما لم يكن فيه تلبيس كما ذكرناه في طلب الجاه. فأهل الدنيا قد يطلبون الجاه بكثرة المال، والغلمان، وحسن الثياب الفاخرة، وحفظ الأشعار، وعلم الطب، والحساب، والنحو، واللغة، وغير ذلك من الأعمال والأحوال. ولم يحرم ذلك ما لم ينته إلى الإيذاء بالتكبر وإلى أخلاق أخرى مذمومة، وإنما استقصينا أقسام الرياء لأنه أغلب الأخلاق الذّميمة على النفوس، فمن لا يعرف الشرّ ومواقعه، لا يمكنه أن يتّقيه.
الرياء على درجات خبيثة:
إحداها: أن لا يكون بالأمور الدينية والعبادات، كالذي يلبس عند الخروج ثيابا حسنة خلاف ما يلبسه في الخلوة، وكالذي ينفق في الضيافات وعلى الأغنياء أموالا، ليعتقد أنه سخي، لا ليعتقد أنه ورع صالح، فذلك ليس بحرام؛ فإنّ تملك القلوب كتملك الأموال. نعم، القليل منه صالح نافع، والكثير منه يلهي عن ذكر الله، كالكثير من المال. ومهما انصرفت الهمة إلى سعة الجاه، فيجرّ ذلك إلى الغفلة والمعاصي، فيكون محذورا بذلك لا لنفسه، وأما إظهار الشمائل التي ذكرناها ليعتقد الناس فيه الدين والورع فحرام لشيئين: أحدهما، أنه تلبيس إذا أراد أن يعتقد الناس أنه مخلص مطيع لله محبّ، وهو بهذه النية فاسق ممقوت عند الله. ولو سلّم الرجل دراهم إلى جماعة يخيل إليهم أنه يجود عليهم بها، وإنما هي ديون لازمة، عصى لتلبيسه، وإن لم يطلب به أن يعتقد صلاحه لأن ملك القلوب بالتلبيس حرام.
الثاني: أنه إذا قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزئ، ومن وقف بين يدي ملك في معرض الخدمة وليس غرضه ذلك بل غرضه ملاحظة عبد من عبيد الملك أو جارية من جواريه. فانظر ما ذا يستحقه من النّكال لاستهزائه بالملك، فكأنه إذا قصد العباد بالعبادة فقد اعتقد أن عباد الله أقدر على نفعه وضره من الله تعالى، إذ عظمة العباد في قلبه دعته إلى أن يتجمل عندهم بعبادة الله، ولهذا سمي الرياء الشرك الأصغر، ثم يزداد الإثم بزيادة فساد القصد والنية.
و من المرائين من لا يطلب إلا مجرد الجاه. ومنهم من يطلب أن يودع الودائع