فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 189

وتوقف عنده الأوقاف ومال الأيتام ليختزل منها، وذلك أخبث لا محالة. ومنهم من يرائي ليقصد إليه النساء والصبيان، ليتمكن من الفجور، أو ليكثر عنده المال ليصرفه إلى الخمر والملاهي، وهذا هو الأعظم، إذ جعل عبادة الله تعالى وسيلة إلى مخالفته، والعياذ بالله.

كما يعظم الرياء ويتغلظ إثمه بسبب اختلاف الغرض الباعث عليه، فيعظم أيضا بما به المراءاة وبقوة قصد الرياء. أما ما به المراءاة فهي على ثلاث درجات: أغلظها أن يرائي بأصل الإيمان، كالمنافق يظهر أنه مسلم وليس بمسلم بقلبه، وكالملحد ومعتقد الإباحة يظهر أنه مستديم الإيمان وقد انسلّ منه باطنه. الثانية: الرياء بأصل العبادات، كمن يصلي ويخرج الزكاة بين يدي الناس، والله يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل ذلك. الثالثة: وهي أدناها، أن لا يرائي بالفرائض ويرائي بالنوافل، كالذي يكثر النافلة، ويحسن هيئة الفريضة، ويخرج الزكاة من أجود ماله، أو يتهجد أو يصوم يوم عرفة وعاشوراء، والله يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل شيئا من ذلك؛ وهذا أيضا حرام، وإن كان لا ينتهي شدة العقوبة فيه إلى حدّ الرياء بالأصول.

وأما تغليظه بدرجات القصد فهو أنه قد يتجرد قصد الرياء حتى يصلّي مثلا على غير طهارة لأجل الناس، أو يصوم ولو خلا بنفسه لأفطر، وقد يضاف إليه قصد العبادة أيضا، وله ثلاث أحوال: إحداها: أن تكون نية العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه، ولكن زاده رؤية غيره ومشاهدته نشاطا، وخف عليه العمل بسببه، فأرجو أن لا يحبط ذلك القدر عمله بل تصح عبادته ويثاب عليها، ويعاقب على قصد الرياء أو ينقص من ثوابه. الثانية: أن يكون قصد العبادة ضعيفا بحيث لو انفرد عن الناس ما استقل بالحمل على العبادة؛ فهذا لا تصح عبادته، والقصد الضعيف لا ينفي عنه شدة المقت. الثالثة:

أن يتساوى القصدان بحيث لا يستقلّ كلّ واحد بالحمل لو انفرد، أو لا ينبعث للفعل بأحدهما بل بمجموعهما. فهذا قد أصلح شيئا وأفسد مثله، فالغالب أنه لا يسلّم رأسا برأس، ويحتمل أن يقال إذا تساوى القصدان، فأحدهما كفّارة للآخر؛ وقوله تعالى:

«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» يدل على أنه لا يقبله ولا يثيبه عليه. أما إنه يعاقبه عليه ففيه نظر، فالأغلب عندي - والعلم عند الله - أنه لا يخلو عن إثم وعقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت