اعلم أن بعض الرياء جليّ، وبعضه أخفى من دبيب النمل. أما الجليّ، فما يبعث على العمل، حتى لولاه لم يرغب في العمل، وأخفى منه أن لا يستقل بالحمل عليه، ولكن يخفف العمل ويزيد في نشاطه، كالذي يتهجد كل ليلة وإذا كان عنده ضيف زاد نشاطه؛ وأخفى منه أن لا يزيد نشاطه، ولكن لو اطّلع غيره على تهجده قبل فراغه أو بعده فرح به ووجد في نفسه هزّة، وذلك يدل على أن الرياء كان مستكنّا في باطن القلب استكنان النار تحت الرماد حتى ترشّح منه السرور عند الاطلاع، وقد كان غافلا عنه قبله، وأخفى منه أن لا يسر بالاطلاع، لكن يتوقع أن يبدأ بالسلام ويوقر، ويتعجب ممن يسيء إليه ولا يسامحه في المعاملة، ولا يحترمه، وذلك يدل على أنه يمنّ على الناس بعمله، فكأنه يتوقع احترامهم وتوقيرهم بعبادته مع إخفائه عنهم. وأمثال هذه الخفايا لا يخلو عنها إلا الصدّيقون، وجميع ذلك إثم، ويخاف منه إحباط العمل. نعم، لا بأس أن يفرح باطلاع غيره عليه إذا كان فرحه بالله تعالى من حيث أظهر منه الجميل، وستر منه القبيح، مع أنه قصد سترهما جميعا، فيفرح بلطف صنع الله تعالى؛ وكذلك يفرح لأنه يبشره بأنه حيث أحسن صنعه به في الدنيا، فكذلك يصنع به في الآخرة. أو يفرح ليقتدي به من يراه أو يطيع الله بحمده له عليه. وعلامة هذا أن يفرح أيضا، إذا اطلع على غيره ممن يرتجي قدوته.
و من أجل خفاء أبواب الرياء وشدة استيلائه على الباطن احترز أولو الحزم فأخفوا عبادتهم، وجاهدوا أنفسهم. وقد قال عليّ - رضي الله عنه: إن الله عز وجل يقول للقراء يوم القيامة، «أَلم يكن يرخّص عليكم في السعر، أو لم تكونوا تبدءون بالسلام، أَلم تكن تقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجوركم» . فاجتهد إن أردت الخلاص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان. فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، وتقنع بعلم الله تعالى وحده، وتطلب الأجر منه، فإنه لا يقبل إلا الخالص كي لا تحرم من فائدته في أحوج أوقاتك إليه.
لعلك تقول ما أقدر على انفكاك الرياء الخفيّ كما وصفته، وإن قدرت على الرياء الجلي، فهل تنعقد عبادتي مع ذلك؟