فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 189

اعلم أن المقامات التسع التي ذكرناها ليست هي على رتبة واحدة، بل بعضها مقصود لذاتها، كالمحبة والرضا، فإنهما أعلى المقامات، وبعضها مطلوبة لغيرها، كالتوبة والزهد، والخوف والصبر، إذ التوبة رجوع عن طريق البعد، للإقبال على طريق القرب. والزهد ترك الشواغل عن القرب. والخوف سوط يسوق إلى ترك الشواغل، والصبر جهاد مع الشهوات القاطعة لطريق القرب. وكل ذلك غير مطلوب لذاته، بل المطلوب القرب وذلك بالمعرفة والمحبة فإنها مطلوبة لذاتها لا لغيرها، ولكن لا يتم ذلك إلا بقطع حبّ غير الله تعالى عن القلب، فاحتيج إلى الخوف والصبر والزهد لذلك. ومن الأمور العظيمة النفع فيه ذكر الموت، فلذلك أوردناه، ولذلك عظّم الشرع ثواب ذكره، إذ به يتنغص حب الدنيا، وتنقطع علاقة القلب عنها؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} [الجمعة:8] وقال صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» ، وقال عليه السلام: «من كره لقاء الله كره الله لقاءه» ، وقالت عائشة - رضي الله عنها: يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: «نعم، من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة» . ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجلس وقد استعلاه الضحك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شوبوا مجلسكم بذكر مكدّر اللّذات» . قيل: وما هو؟ قال عليه السلام: «الموت» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم، لما أكلتم منها لحما سمينا» . وقال عليه السلام: «كفى بالموت واعظا» . وقال عليه السلام: «تركت فيكم واعظين صامتا وناطقا، فالصامت الموت، والناطق القرآن» .

وذكر رجل عند النبي - عليه السلام - وأحسن الثناء عليه، فقال عليه السلام: كيف كان ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا: ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت. قال: إن صاحبكم ليس هناك. وقال رجل من الأنصار: يا رسول الله من أكيس الناس وأكرم الناس؟ فقال: أكثرهم للموت ذكرا، وأشدهم له استعدادا، أولئك هم الأكياس، ذهبوا براحة الدنيا وكرامة الآخرة.

اعلم أن الموت عظيم هائل، وما بعده أعظم منه، وفي ذكره منفعة عظيمة، فإنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت