فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 189

والعصيان، وقد تعبدت به شرعا وذلك مراد الله تعالى فيهم؟

فاعلم أن طائفة من الضعفاء ظنوا أن ترك الأمر بالمعروف من جملة الرضا بالقضاء، وسمّوه حسن الخلق وهو جهل محض، بل عليك أن ترضى وأن تكره جميعا. والرضا والكراهية يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من وجه واحد، ولا يتناقض أن يقتل عدوّك الذي هو عدوّ عدوّك أيضا، فترضاه من حيث إنه عدوّك، وتكرهه من حيث إنه عدوّ عدوّك. فكذلك للمعصية وجهان: وجه إلى الله تعالى من حيث إنها بقضائه ومشيئته فهو من هذا الوجه مرضيّ به، ووجه إلى العاصي من حيث إنه صفته وكسبه، وعلامة كونه ممقوتا من الله تعالى فهو من هذا الوجه مكروه. وقد تعبّدك الله تعالى ببغض من يبغضه من المخالفين لأمره، فعليك بما تعبّدك به والامتثال له. ولو قال لك محبوبك إني أريد أن أمتحن حبك بأن أضرب عبدي وأرهقه إلى أن يشتمني فمن أبغضه فهو محبّي ومن أحبه فهو عدوي، فيمكنك أن تبغض عبده إذا شتمه، مع أنك تعلم أنه الذي اضطره إلى الشتم، وكان ذلك مرادا منه، فيقول: أمّا فعله في الشتم فإني أرضى به من حيث إنه تدبيرك في عبدك، ومرادك ممن أردت إبعاده، وأما شتمه من حيث هو صفته وعلامة عداوته، فإني أبغضه لأني أحبك، فأبغض لا محالة من عليه علامة عداوتك؛ وهذه دقيقة زلّ فيها الضعفاء، فلذلك يتهافتون فيها.

كذلك ينبغي أن لا تظن أن معنى الرضا بالقضاء ترك الدعاء، بل ترك السهم الذي أرسل إليك حتى يصيبك، مع قدرتك على دفعه بالترس، بل تعبدك الله عز وجل بالدعاء، ليستخرج به من قلبك صفاء الذكر، وخشوع القلب ورقته، لتستعد به لقبول الألطاف والأنوار. فمن جملة الرضا بقضائه، أن يتوصل إلى محبوباته بمباشرة ما جعله سببا له؛ بل ترك الأسباب مخالفة لمحبوبه ومناقضة لرضاه، فليس من الرضاء للعطشان أن لا يمدّ اليد إلى الماء البارد، زاعما أنه رضي بالعطش الذي هو من قضاء الله تعالى؛ بل من قضاء الله تعالى ومحبته أن يزال العطش بالماء. فليس في الرضا بالقضاء ما يوجب الخروج عن حدود الشرع ورعاية سنة الله تعالى أصلا، بل معناه ترك الاعتراض على الله عز وجل إظهارا وإضمارا، مع بذل الجهد في التوصل إلى محاب الله تعالى من عباده، وذلك بحفظ الأوامر وترك النواهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت