لصرفه إلى أهمّ أموره. وتعلم أن إمساك المال، إن كان للتنعم في الشهوات، فحسن الأحدوثة وثواب الآخرة أعظم وألذّ منه. فقضاء الشهوة سجية البهائم، وهذه سجية العقلاء؛ وإن كان يمسكه ليتركه لولده فكأنه يترك ولده بخير ويقدم على ربه بشرّ، وهذا عين الجهل، وكيف وولده إن كان صالحا فالله تعالى يكفيه، وإن كان فاسقا فيستعين به (1) على المعصية، ويكون هو سبب تمكنه منها، فيتضرر هو ويتنعّم غيره!. وأما العمل، فهو أن يحمل نفسه على البذل تكلّفا، ولا يزال يفعل ذلك حتى يصير له عادة.
و من نوافذ حيله فيه أن يخدعه بحسن الاسم وتوقع المكافأة حتى يرغب في البذل، ثم بعد ذلك يتدرج أيضا إلى قمع هذه الصفات.
قال الله عز وجل: {تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَسادًا} [القصص:83] الآية. وقال عليه السلام: «حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل» . وقال عليه الصلاة والسلام: «ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم» . وقال عليه الصلاة والسلام في مدح الخمول: «رب أشعث أغبر ذي طمرين (2) لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه» . وقال عليه الصلاة والسلام: «إن أهل الجنة كل أشعت أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذ خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم؛ حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم» .
وقال سليمان بن حنظلة: بينما نحن حول أبيّ بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدّرّة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع، فقال: إن هذا مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وقال الحسن: إن خفق النعال خلف الرجل قلّ ما يثبت معه قلوب الحمقاء.
وقال أبو أيوب: والله ما صدق الله عبد إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه.
(1) أي بالمال الذي يخلفه له أبواه.
(2) الطمر: الثوب البالي.