من هذه الرذيلة والعقيدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك من نفخة الكبر» ، ولذلك استأذن بعضهم عمر - رضي الله عنه - ليعظ الناس بعد الصبح، فقال: لأخشى أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا، ثم هذه النفخة يصدر منها أفعال على الظاهر، كالترفع في المجالس، والتقدم في الطريق، والنظر بعين التحقير والغضب إذا لم يبدأ السلام وقصّر في حوائجه وتعظيمه، ويحمله على أن يأنف إذا وعظ، ويعنّف إذا وعظ وعلّم، ويجحد الحق إذا ناظر، وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير. وإنما عظّم الكبر حتى لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه، لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة:
أولها: أنه منازعة الله تعالى في خصوص صفته، إذ الكبرياء رداؤه، كما قال الله؛ فإن العظمة لا تليق إلا به. ومن أين تليق العظمة بالعبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئا، فضلا عن أمر غيره.
الثانية: أن يحمله على جحد الحق وازدراء الخلق. قال صلى الله عليه وسلم في بيان الكبر:
«الكبر من سفه الحقّ، وغمص (1) الناس، والأنفة من الحق، تغلق باب السعادة، وكذا استحقار الخلق» . وقال بعضهم: إن الله سبحانه خبأ ثلاثا في ثلاث: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن شيئا منها لعل رضاء الله فيه، وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرن شيئا منها صغيرة، فلعل سخط الله تعالى فيها، وخبأ ولايته في عباده، فلا تحقرن أحدا منهم فلعله وليّ الله تعالى.
الثالثة: أنه يحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة، لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، وعلى ترك الأنفة والحسد والغضب، ولا يقدر على كظم الغيظ، وعلى اللطف في النصح، وعلى ترك الرياء.
وبالجملة فلا يبقى خلق مذموم إلا ويضطر المتكبر إلى ارتكابه، ولا خلق محمود إلا ويضطر إلى تركه.
العلاج الجملي لقمع رذيلة الكبر أن يعرف الإنسان نفسه، وأن أوله نطفة مذرة (2)
(1) الغمص: الاحتقار.
(2) مذرة: فاسدة.