فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 189

فقد عرفت بهذا مذمة الشهرة والجاه إلا أن يشهر الله عبدا في الدين من غير طلب منه كما يشهّر الأنبياء والخلفاء الراشدين والعلماء والأولياء.

حقيقة الجاه هي ملك القلوب لتتسخر لذي الجاه على حسب مراده، وتطلق اللسان بالثناء عليه، وتسعى في حاجته. وكما أن معنى المال ملك الدراهم ليتوصل بها إلى الأغراض، كذلك معنى الجاه ملك القلوب، لكن الجاه أحب، لأن التوصل به إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، ولأنه محفوظ من أن يسرق ويغصب أو تعرض له الآفة، ولأنه يسري وينمو من غير تكلف؛ فإن من ملك قلبه باعتقاد التعظيم، فلا يزال يثني ويقتنص قلوب سائر الناس لصاحبه. وفيه سرّ آخر، وهو أن الجاه معناه العلوّ والكبرياء والعز، وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع؛ بل هي ألذّ الأشياء عنده؛ وذلك لسرّ خفي في مناسبة الرّوح للأمور الإلهية، وعنه العبارة بقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85] . فهو أمر رباني شغفه من حيث الطبع للاستبداد والانفراد بالوجود. وهو حقيقة الإلهية؛ إذ ليس مع الله موجود، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة، فلها رتبة التبعية لا رتبة المعيّة. فليس في الوجود مع الله غيره. وكان الإنسان يشتهي ذلك، بل في كل نفس أن يقول أنا ربّكم الأعلى، لكن أظهره فرعون وأخفاه غيره. ولكن إن فاته الانفراد بالموجود، فيشتهي أن لا يفوته الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات كلها، ليتصرف فيها على حسب مراده وهو الإلهية. لكن تعذر على الإنسان ذلك في السموات والكواكب والبحار والجبال، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم، لأن العلم نوع استيلاء أيضا، كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة، فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع. وكذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال، ويتصور أن يتسخر له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والمعادن والنبات. فيحبّ أن يتملكها ويقوّلها ويتصور أن يتسخر له الإنسان، فيحب أن يتسخره بواسطة قلبه. ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه. ويحصل التعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال، فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال، فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه وينتشر صيته حتى إلى البلاد التي يعلم قطعا أنه لا يطؤها ولا يرى أهلها، لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية. وكلما صار أعقل، كانت هذه الصفة عليه أغلب، وشهواته البهيمية فيه أضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت