إليه. لا سيما إذا طوّل اللسان فيه، فإنه مظلوم من الحاسد، فقد طلب الحاسد زوال نعمة الدنيا منه، فأضاف إليه نعمة الآخرة وحصل لنفسه مع عذاب الدنيا عذاب الآخرة، فهو كمن رمى عدوه بحجر فلم يصب عدوه، وعاد إلى عينه فأعماها، وزادت عليه شماتة عدوه إبليس، فإنه فاتته النعمة وفاته الرضاء بالقضاء، ولو رضي به لكان فيه ثواب، لا سيما إذا حسد على العلم والورع، فإن محب العلم يعظم ثوابه.
وأما العلاج العملي: فهو أن يعرف حكم الحسد وما يتقاضاه من قول وفعل، فيخالفه ويعمل بنقيضه، فيثني على المحسود، ويظهر الفرج بنعمته، ويتواضع له؛ وبذلك يعود المحسود صديقا له، ويزايله الحسد، ويتخلص من إثمه وألمه، قال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] .
لعلّ نفسك لا تطاوعك على التسوية بين عدوك وصديقك
، بل تكره مساءة الصديق دون العدوّ، وتحب نعمة الصديق دون العدوّ. ولست مكلفا بما لا تطيق، فإن لم تقدر على ذلك فتتخلص من الإثم بأمرين: أحدهما، أن لا تظهر الحسد بلسانك وجوارحك وأعمالك الاختيارية، بل تخالف موجبها. والثاني، أن تكره من نفسك حبّها زوال نعمة الله تعالى عن عبد من عباده. فإذا اقترنت الكراهة عن باعث الدين بحب زوال النعمة التي اقتضاه الطبع، اندفع عنك الإثم. وليس عليك تغيير الطبع، فإن ذلك لا تقدر عليه في أكثر الأحوال. وعلامة الكراهية أن تكون بحيث لو قدرت على إزالة نعمته لم تقدم على الإزالة مع حبك لها، ولو قدرت على معونته في دوام نعمته أو في زيادتها فعلت مع كراهيتك لذلك. فإذا كنت كذلك، فلا إثم عليك فيما يتقاضاه طبعك، فإن الطبع إنما يصير مقهورا في حق المستهتر بالله، الذي انقطع نظره عن الدنيا وعن الخلق؛ بل علم أنّ المنعم عليه إن كان في النار فما تنفع هذه النعمة، وإن كان في الجنة فأي نسبة لهذه النعمة إلى الجنة؛ بل يرى كلّ الخلق عباد الله تعالى فيحبهم لأنهم عباد لمحبوبه. ويحب أن يظهر أثر نعمة محبوبه على عباده، وهذه حالة نادرة لا تدخل تحت التكليف.