اعلم أن طيب المطعم له خاصية عظيمة في تصفية القلب وتنويره وتأكيد استعداده لقبول أنوار المعرفة، وفيه سر لا يحتمل هذا الكتاب ذكره؛ ولكن ينبغي أن تفهم أن درجات الورع أربع:
الدرجة الأولى: هي التي يجبّ (1) الفسق باقتحامها، وتزول العدالة بزوالها، وهي التي يحرمها فتوى الفقهاء.
الثانية: ورع الصالحين؛ وهو الحذر عما يتطرق إليه احتمال التحريم، وإن أفتى المفتي بحله بناء على الظاهر، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
الثالثة: ورع اليقين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ العبد درجة المتّقين حتى يترك ما لا بأس به حذارا ومخافة مما به بأس» . وقال عمر - رضي الله عنه: «كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام» . ومن هذا الأصل كان بعضهم إذا استحق مائة درهم اقتصر على تسعة وتسعين، ويترك الواحد حاجزا بينه وبين النار لخوف الزيادة، وكان بعضهم يأخذ ما يأخذ بنقصان حبة، ويعطي ما يعطي بزيادة حبة؛ ولذلك أخذ عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - أنفه حذرا من ريح المسك لبيت المال كان يوزن بين يديه، وقال: «هل ينتفع إلا بريحه؟» ، ومن ذلك أن يتورع عن الزينة وأكل الشهوات، خيفة من أن تغلب النفس فتدعوه إلى الشهوات المحظورة. ومن ذلك ترك النظر إلى تجمل أهل الدنيا، فإنه يحرك دواعي الرغبة في الدنيا؛ ولذلك قال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه:131] . ولذلك قال عيسى ابن مريم - عليه السلام: «لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا، فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم» . ولذلك قال السلف: «من رقّ ثوبه رق دينه» . فالحلال الطلق الطيب كل حلال انفكّ عن مثل هذه المخافة ولم يوجد فيها.
الرابعة: ورع الصدّيقين، وهو الحذر عن كل ما لا يراد بتناوله القوة على طاعة الله تعالى إذا كان قد يتطرق إلى بعض أسبابها معصية. فمن ذلك ما حكي أن ذا النون
(1) يجبّ: يقطع.