والتكليف، لا عن وجوب، ومتطول (1) بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب (2) . ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ولم يكن منه قبيحا ولا ظلما. وأنه يثيب (3) عباده على الطاعات بحكم الكرم والعدل لا بحكم الاستحقاق واللزوم؛ إذ لا يجب عليه فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد عليه حق. وأن حقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه، لا بمجرد العقل، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلّغوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به.
وأنه يفرق بالموت بين الأرواح والأجسام، ثم يعيدها إليها عند الحشر والنشور، فيبعث من في القبور ويحصّل ما في الصدور (4) . فيرى كل مكلّف ما عمله من خير أو شر محضرا (5) ، ويصادف دقيق ذلك وجليّه مسطّرا في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ويعرف كل واحد مقدار عمله، خيره وشره بمعيار صادق، يعبّر عنه بالميزان، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الأجسام الثقال، كما لا يساوي الاصطرلاب الذي هو ميزان المواقيت، والمسطرة التي هي ميزان المقادير، والعروض الذي هو ميزان الأشعار، سائر الموازين، ثم يحاسبهم على أفعالهم وأقوالهم، وسرائرهم وضمائرهم، ونياتهم وعقائدهم، مما أبدوه أو أخفوه، فإنهم يتفاوتون فيه إلى مناقش في الحساب، وإلى مسامح فيه، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب. وأنهم يساقون إلى الصراط، وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء ومنازل السعداء، أحدّ من السّيف، وأدقّ من الشّعر، يخفّ عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم الذي يوازيه في الخفاء والدقة،
(1) متطول: متفضل متمنن.
(2) الأوصاب: جمع وصب وهو المرض الدائم وقد يطلق على التعب.
(3) يثيب: يجزي ويعطي.
(4) قال تعالى في سورة العاديات؛ الآيتان 9 و 10: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُوْرِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُوْرِ} .
(5) قال تعالى في الآية 30 من سورة آل عمران: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} .