تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحدّه زمان؛ بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان. وأنه باين بصفاته من خلقه ليس في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته. وأنه مقدس عن التغيير والانتقال، لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال. وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئيّ الذات بالأبصار، نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار، وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.
وأنه حيّ قادر جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت. وأنه ذو الملك والملكوت، والعزة والجبروت، له القدرة والسلطان والقهر، والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته. وأنه المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع؛ خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته.
وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري في تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جوّ الهواء، ويعلم السر وأخفى، ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفا به في أزل الآزال، لا يعلم متجدد حاصل في ذاته بالتحوّل والانتقال.
وأنه مريد للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يجرى في الملك والملكوت قليل ولا كثير، ولا صغير ولا كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسر، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره، وحكمه ومشيئته؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر؛ بل هو المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، لا رادّ لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن