فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 189

لعلك تقول: فإذا كان كذلك، فلم كان طلب الرفعة مذموما وهو من نتائج العقل وخواص الروح المناسبة للأمور الربانية؟.

فاعلم أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم، إذ مطلوب الكل هو القرب من الله تعالى، وذلك هو الرفعة والكمال إذ هو عزّ لا ذل فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، ولذة لا كدورة لها؛ وطلب ذلك محمود؛ وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي، والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والحرية والقدرة؛ وهو أن لا يكون مقيدا بغيره. ولا يتصور للعبد حقيقة القدرة، فإن قدرته إنما تكون بالمال والجاه، وذلك كمال وهميّ، فإنه أمر عارض لا بقاء له، ولا خير فيما لا بقاء له، بل قيل:

أشدّ الغمّ عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا

كيف، وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قبله، لا تصفو من الكدورات! فمن توهمها كمالا فقد زل، بل الكمال في الباقيات الصالحات التي تنال بها القرب من الله سبحانه، ولا تزول بالموت، بل تتضاعف تضاعفا غير محدود. وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى، وصفاته وأفعاله، وهو العلم بكل الموجودات؛ إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله. لكن قد ينظر فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال الله تعالى، كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب، أو ينظر في هيئة العالم لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم، فهذا لا قدر له. ومن الكمال الحقيقي الحرية، وهو انقطاع علاقتك عن جميع علائق الدنيا، بل عن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار في الالتفات إلى لازمك الذي لا بدّ لك منه، وهو الله تعالى. كما أوحى الله إلى داود: «يا داود! أنا بدّك (1) اللازم فالزم بدّك» . فالعلم والحرية من الباقيات الصالحات، وهما كمالان حقيقيّان؛ والمال والبنون زينة الحياة الدنيا، وهما كمالان وهميان.

و المنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة، فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي، واشتغلوا بطلب الكمال الوهميّ، وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة إذ يشاهدون

(1) بدّ بكسر الباء: المثيل والنظير، وبدّ بضمها: العوض أو النصيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت