فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 189

أنهم خسروا الدنيا والآخرة: وأما الآخرة، فلأنهم يطلبونها ولم يحصّلوا أسبابها من المعرفة والحرية؛ وأما الدنيا، فلأنها ودعتهم وانقلبت إلى أعدائهم وهم ورثتهم. ولا تظنن أن الإيمان والعلم يفارقانك بالموت، فالموت لا يهدم محل العلم أصلا، وليس الموت عدما حتى تظن أنك إذا عدمت عدمت صفاتك؛ بل معنى الموت قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تعاد إليه؛ وإذا تجرد عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من العلم والجهل، وفهم هذا طويل، وتحته أسرار لا يحتمل هذا الكتاب كشفها.

إذا عرفت حقيقة الجاه وماهيته، وأنه كمال وهميّ، فقد عرفت أن طريق العلاج في قمع حبه من القلب. إذا علمت أن أهل الأرض لو سجدوا لك مثلا، لما بقي - إلا مدة قريبة - لا الساجد ولا المسجود له. كيف! ويشح الدهر عليك بأن يسلم لك الملك في محلّتك فضلا عن قريتك أو بلدتك. فكيف ترضى أن تترك ملك الأبد والجاه الطويل العريض عند الله تعالى وعند ملائكته، بجاهك الحقير المنغص عند جماعة من الحمقى لا ينفعونك ولا يضرونك ولا يملكون لك موتا ولا حياة ولا نشورا ولا رزقا ولا أجلا؟ نعم ملك القلوب كملك الأعيان (1) ، وأنت محتاج منه إلى قدر يسير لتحرس نفسك عن الظلم والعدوان، وعما يشوش عليك سلامتك وفراغك التي تستعين بها على دينك. فطلبك لهذا القدر مباح، بشرط القناعة بقدر الضرورة كما في المال، وبشرط أن لا تكتسبه بالمراءاة بالعبادات فذلك حرام كما سيأتي؛ وأن لا تكتسبه بالتلبيس (2) بأن تظهر من نفسك ما أنت خال منه، فلا فرق بين من يملك القلوب بالتلبيس، وبين من يملك الأموال. فإذا حصّلت الجاه بطريقة واقتصرت على قدر التحرز من الآفات فترجى لك السلامة، إلا أنك في خطر عظيم أكثر من خطر المال، لأن قليل الجاه يدعو إلى كثيره، فإنه ألذّ من المال، ولذلك لا يسلم الدين مجانا غالبا إلا لخامل مجهول لا يعرف، كما فهمت ذلك من الأخبار.

(1) الأعيان: جمع عين وهي هنا بمعنى الإنسان. والأعيان الناس، أو السادة منهم.

(2) التلبيس: إخفاء الحقيقة وإظهارها بخلاف ما هي عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت