فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 189

من البواعث على طلب الجاه حب المدح، فإن الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه:

أحدها، انه يشعر صاحبه بكمال نفسه، والشعور بالكمال لذيذ؛ لأن الكمال من الصفات الإلهية. والثاني، أنه يشعر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخرا له. الثالث، أنه يشعر صاحبه بأن المادح يصغي إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه. فكذلك إذا صدر المدح من بصير بصفات الكمال واسع الجاه والقدرة في نفسه، وكان على ملأ من الناس، تضاعفت لذة المدح. وتزول اللذّة الأولى بأن يصدر عن غير أهل البصيرة، فإنه لا يشعر بالكمال، وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدرة له، لأن ملك قلبه لا يعتدّ به. وتزول الثالثة بأن يمدح في الخلوة لا في الملأ، إلا من حيث يتوقع أنه أيضا ربما يمدح في الملأ.

وأما الذم، فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب. وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية. وعلاج ذلك أن يتفكر في اللذة الأولى، فإن مدح بكثرة المال والجاه فيعلم أنه كمال وهميّ، وهو سبب فوات كمال حقيقي، فهو جدير بأن يحزن لأجله، لا أن يفرح به. وإن مدح بكمال العلم والورع، فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات ويشكر الله تعالى عليها لا يشكر غيره، هذا إن كان متصفا به، وأما إن كان غير متصف به، ففرحه به حماقة كفرح من يثني عليه غيره ويقول: ما أطيب العطر الذي في أحشائك أو أمعائك، وهو يعلم ما فيها من الأقذار والأنتان. وهذا حال من يفرح من المدح بالورع والزهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خال عنه.

وأما اللذة الثانية والثالثة، وهو لذة الجاه عند المادح وغيره، فعلاجه ما ذكرناه في حب الجاه.

الأصل السابع حب الدنيا:

واعلم ان حب الدنيا رأس كل خطيئة. وليس الدنيا عبارة عن المال والجاه فقط، بل هما حظّان من حظوظ الدنيا، وشعبتان من شعبها؛ وشعب الدنيا كثيرة. ودنياك عبارة عن حالتك قبل الموت، وآخرتك عبارة عن حالتك بعد الموت. وكل ما لك فيه حظ قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت