فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 189

الموت فهو من دنياك؛ إلا العلم والمعرفة والحرية. وما يبقى معك بعد الموت فإنها أيضا لذيذة عند أهل البصائر، ولكنها ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا. ولهذه الحظوظ الدنيوية تعاون وتعلق بما فيه الحظ، وتعلق بأعمالك المتعلقة بإصلاحها، فهي ترجع إلى أعيان موجودة، وإلى حظك فيها، وإلى شغلك في إصلاحها.

أما الأعيان، فهي الأرض وما عليها؛ قال الله تعالى: {إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها} [الكهف:7] الآية، ومطلوب الآدمي من الأرض. أما عينها فللمسكن والمحرث. وأما نباتها فللتداوي والاقتيات. وأما معادنها فللنقود والأواني والآلات. وأما حيواناتها فللمركب والمأكل. وأما الآدميون منها فللمنكح والاستحسان. وقد جمع الله سبحانه ذلك في قوله: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ [آل عمران:14] الآية. وأما حظك منها، فقد عبر القرآن الكريم عنه بالهوى فقال الله تعالى: {ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى} [النازعات:40] وقال تعالى تفصيلا له: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ والْأَوْلادِ [الحديد:20] الآية. وذلك يندرج فيه جميع المهلكات الباطنة من الغلّ والكبر والحسد والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء، وهي الدنيا الباطنة.

وأما الأعيان، فهي الدنيا الظاهرة، وأما شغلك في إصلاحها، فهي جملة الحرف والصناعات التي الخلق مشغولون بها، وقد نسوا فيها أنفسهم ومبدأهم ومعادهم، لاستغراقهم بإشغالهم بها، وإنما شاغلهم العلاقتان: علاقة القلب بحب حظوظها، وعلاقة البدن بشغل إصلاحها.

فهذه هي حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة. وإنما خلقت للتزود منها إلى الآخرة؛ ولكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنست الحمقى سفرهم ومقصدهم، فقصروا عليها همتهم، فكانوا كالحاج في البداية، يشتغل بتعهد الناقة وعلفها وتسمينها، فيتخلف عن الرفقة حتى يفوته الحج، وتهلكه سباع البادية.

[فصل في ان هذه الدنيا المذمومة هي بعينها مزرعة الآخرة]

هذه الدنيا المذمومة المهلكة، هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها، إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت